الصفحة 198 من 212

جهة ثانية، اشترك المسلمون واليهود في تحريم لحم الجنزير وفي تحريم بعض الأشياء الأقل كراهية، والأهم من هذا أن المسلمين يشاركون اليهود - وهذا غير معروف في المسيحية - في تحريم بعض المأكولات وتحليل بعض آخر بموجب الشرع السماوي. ويمكن أن يكون لهذا نتائج عملية، إذ يحل للمسلمين - وباجتهاد أكثر المشرعين تشددة - تناول لحم اليهود الذبائح اليهودية). وهذه مسألة لا تخلو من الأهمية بالنسبة إلى المسافرين إلى بلاد فيها جاليات يهودية مقيمة وتكون خالية من المسلمين. واليهود بدورهم، بينما كان محرمة عليهم تناول اللحوم الاسلامية (الذبائح الاسلامية) كانوا، رغم ذلك، على توافق كبير مع التوجهات الاسلامية العامة، وكان الاستثناء المهم يتمثل بالمسلمين الشيعة، وهم بتمسكهم بالطهارة الشعائرية وتأكيدهم على نجاسة التماس مع أهل الذمة يرفضون - على أساس النجاسة - أي طعام يعده أو حتى يمسه يهودي ... فكيف يكون الحكم على شرعية اللحم اليهودي؟!

إذا كان علينا أن نقارن الموقف الاسلامي من اليهود ومعاملة المسلمين الهم خلال العصور الوسطى، بأوضاع اليهود ضمن جيرانهم مسيحيي أوروبا العصور الوسطى، فسنرى بعض التناقضات المذهلة. وكانت حتي مواصفات العداء الذي كانت تكنه الأكثريتان المسيطرتان تختلف بشكل كبير: كان عداء المجتمع المسلم لليهود عداء غير لاهوتي، ولم تكن له أي علاقة بأي مذهب اسلامي معين، ولا بأي ظرف خاص بتاريخ الاسلام الديني. وبالنسبة إلى المسلمين، لم يشكل العداء جزء من مخاض دينهم، كما هو الحال بالنسبة إلى المسيحيين، فهو بالأحرى الموقف المعتاد الذي يتخذه المتسيد تجاه التابع، والذي تتخذه الأغلبية إزاء الأقلية، خلافا لذلك البعد المبدأي الاضافي، وبالتالي النفسي، الذي يضفي على العداء المسيحي للسامية تفرده وطابعه الخاصين.

وكان اليهود أقل بكثير جدا من أن يثيروا أي اهتمام، وذلك بسبب طبيعة العداء غير العقيدية الموجهة ضدهم من جهة، ومن جهة أخرى أيضا لأن الأقليات اليهودية في البلدان الاسلامية كانت، خلافا لما كانت عليه في البلدان المسيحية، واحدة من عدة أقليات تعيش في مجتمع تعددي وجماعي. وكان هذا بمجمله ميزة نافعة.

ويولي الجدليون المسلمون، بصورة عامة، أهمية قليلة لليهود الذين كانوا منورين نسبية. وبقدر ما كانوا يتعالون على مناقشة الأديان المنسوخة، فقد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت