الصفحة 28 من 212

التحيز موجودة في كل وقت وبشكل دائم، وكان في الواقع ضرورية، كما كان ملازمة لأنظمة الحكم، وكان مشروع بموجب القانون والأعراف، وكان الاضطهاد، أي الضغط الفعلي العنيف، نادرأ وشاذة، وبوجه عام، لم يكن اليهود والمسيحيون في ظل الحكم الاسلامي مضطرين للاستشهاد في سبيل عقائدهم. وما كانوا، في معظم الأحيان، مرغمين على الخيار الذي واجه المسلمين واليهود في اسبانيا المستعادة (Reconquered) ... وهو الخيار بين النفي أو الموت أو الارتداد عن دياناتهم الأصلية. ولم يكونوا معرضين لأي حجر اقليمي أو احتلالي واستعماري، كما كان الأمر بالنسبة إلى اليهود في أوروبا ما قبل العصر الحديث. وكان هناك بعض الاستثناءات الأوضاع كهذه، ولم تكن ذات تأثير يذكر على غالبية المسلمين واليهود. وبقي الأمر على ذلك حتى زمن قريب نسبيا. وحتى خلال هذا الزمن القريب لم تحدث هذه الاستثنا مات إلا في الخاص من الأمكنة والأزمنة والظروف.

كثيرا ما وصف الاسلام بأنه دين مساواة. وهو حقا كذلك في كثير من النواحي وإن نحن نظرنا إلى التبدلات التي أحدثها الإسلام إبان ظهوره في شبه الجزيرة العربية، التبدلات التي طرأت على ما كانت عليه الأوضاع في القرن السابع، بل الأهم أنه إذا قارنا العالم الاسلامي وما كان عليه وضعه في العصور الوسطى بما كان عليه وضع المنبوذين أو الدوليين (*) في الهند شرقا، وبالامتيازات الأرستقراطية المتجذرة في أوروبا المسيحية غربة، فسيبدو الاسلام دين مساواة فعلا في مجتمع مساواة

فالاسلام، من حيث المبدأ والشرع، لا يقر الدونية كما لا يقر الأرستقراطية. والطبيعية البشرية، وهي على ما هي عليه، تسوغ للدونية والأرستقراطية كلتيهما أن تعمدا بين الحين والآخر إلى أن تثبتا وجودهما بالعنف، ولكن ذلك، عندما يحدث، يكون مخالفا لمشيئة الاسلام وليس كجزء منه، ومثل هذا التخلي عن المساواة تكررت إدانته من قبل المسلمين الأصوليين والتقليديين على حد سواء على اعتبار أنه خروج عن الاسلام أو معاد له.

وفي جميع الأحوال، كانت الحركية - أو التطورات - الاجتماعية في الاسلام أعظم بكثير مما كان يسمح به في أوروبا المسيحية أو الهند الهندوسية

ـــــــــــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت