الصفحة 44 من 212

ومن هذا المنطلق فإن معنى هذه الكلمات هو أن تؤخذ الجزية منهم بأسلوب استخفافي ومهين، حسب اجتهاد محمد بن عمر الزمخشري (1070 - 1144) واضع أحد التفاسير النموذجية للقرآن الكريم، حيث يقول ما معناه: «. .. فالذي - أي الواحد من الرعايا غير المسلمين في دولة الاسلام - يجب أن يأتي هو نفسه لدفع الجزية، ويأتي سيرا على قدميه، لا راكبة. ويجب أن يدفع الجزية وهو واقف بينما يبقى المحصل قاعدة، وعلى المحصل أن يمسك به من قفاه ويهزه قائلا: ادفع الجزية، وعندما يؤديها الذي يجب أن يصفع على مؤخرة عنقه، ويضيف مرجعيون أخرين تفاصيل ممائة. مثال ذلك أنه يجب على الذمي أن يبدو محني الهامة ومطاطيء الرأس، ويجب عليالمحصل أن يعامله بازدراء، بل وبغلظة: يأخذه من لحيته ويصفع خديه ... إلى أخر ذلك من مثل هذه المعاملة، ثمة أوضاع رمزية مذكورة في العديد من کتب الشريعة، وتنص على أن يد الذي يجب أن تكون من تحت ويد محصل الضرائب من فوق أثناء انتقال النقود من يد إلى يد. وقد بين الهدف من هذه المعاملة كلها فقهاء القرن الخامس عشر الملتزمين بالمدرسة من الأفعال الدالة على الاذلال الشعائري الذي يجب أن يمارس على رؤوس الأشهاد من أجل أن يتمتع الجميع بهذا المشهد ... ثم يخلص هؤلاء الفقهاء إلى القول بما معناه: فلربما يهتدي هؤلاء في النهاية إلى الإيمان بالله ورسوله، وبذلك يتخلصون من هذا النير المخزي، ...

وعلى النقيض من المفسرين وغيرهم من علماء الدين الاسلامي، كان فقهاء القضاء أقل تزمتة وأكثر اهتمام بالجانب المالي من الجزية مما كانوا عليه بالنسبة إلى الجانب الرمزي فيها. فأبو عبيد (770 - 838) ، مؤلف إحدى الرسائل التقليدية حول المعاملات الضريبية، يؤكد على ألا يثقل الذميون بأعباء تفوق طاقاتهم، وعلى وجوب ألا يبتلوا بأسباب المعاناة. وكان المشرع العظيم أبو يوسف (731؟ - 808) ، قاضي القضاة في عهد الخليفة هارون الرشيد، بحكم بصراحة ضد مثل هذا التعامل، حيث كان يقضي «بالا يجلد أي امريء من أهل الذمة من أجل تحصيل الجزية، و بالا برغم على الوقوف تحت الشمس الحارة، وبالا يصابوا في أبدانهم بأشياء بغيضة، ولا بأي شيء من هذا القبيل. ويجب، بدلا من ذلك، أن يعاملوا بالرفق واللين ... ،

ولم يكن أبو يوسف، بوجه عام، من أنصار التهاون مع دافعي الضرائب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت