وتخطى في بعض الأحيان هذين الحدين. وفي المناطق التي فتحت مؤخرا، كانت هناك جماعات دينية كبيرة وهامة ومستقرة، كما كانت هناك أنظمة تشريعية وإدارية قديمة الرسوخ تحدد الكيفية التي كانت تعامل بها هذه الجماعات. وأهم هذه الأنظمة تلك التي كانت موروثة عن الامبراطوريتين القديمتين، الرومانية والفارسية، وهذه الأنظمة دون غيرها التي كانت أبدت المقاومة إبان القرين الأولى التي تكونت خلالها الدولة الاسلامية. وكانت الأغلبية الساحقة من الرعايا الجدد في دولة الاسلام تتكون من المسيحيين المنتمين إلى كنائس متنوعة. وكان العراق، رغم كونه جزأ من الامبراطورية الفارسية، مأمولا باكثرية من النصارى النسطوريين - الآشوريي الأصل. وكانت سورية وفلسطين وشمال أفريقية كله والمناطق التي فتحها المسلمون في أوروبا، كانت كلها تشكل جزمة من الامبراطورية الرومانية المسيحية. وفي هذه البلدان جميعها كانت هناك أقليات يهودية، وكانت أحيانأ ذات حجم معقول. وفي إيران أيضا كان هناك أناس مسيحيون ويهود، بيد أن أغلبية الايرانيين كانت تدين بالزرادشتية أو تدين بأحد المذاهب المتفرعة عنها.
وفي خلال القرين الأولى من الحكم الإسلامي، لم تكن هناك محاولات - أو محاولات قليلة إن وجدت - تستهدف التحويل إلى الإسلام بالقوة، حيث كان انتشار الاسلام يتم بفعل الاقناع والترغيب. ومن الصعب تحديد نسبة التحول إلى الاسلام ومستويات هذا التحول من خلال بينات قائمة، وقد حاول بعض الباحثين الاقتناع بأن غير المسلمين ظلوا حتى الحروب الصليبية يشكلون أكثرية السكان. ومن الواضح بوجه عام أن أعداد غفيرة من النصارى واليهود والزرادشتيين قد اعتنقت الدين الاسلامي وتحولت إلى جزء من المجتمع المسلم
هناك فوارق بارزة طرأت على مصائر الديانات الثلاث بعد الفتح الاسلامي. وكان الذي طرأ على مصير الزرادشتية هو الأسوأ. فالدولة الفارسية التي سبقت الاسلام، خلافا لما طرأ على الدولة المسيحية، هزمت ودمرت تماما، وضمت أقاليمها وشعوبها كافة إلى أحضان الخلافة الإسلامية. وكانت الكهانة الزرادشتية مرتبطة جدأ بالبنية السلطوية في إيران القديمة. أما وقد حرمت من هذا الارتباط، ولم تعد تملك المحرض أو المنشط المتمثل بالأصدقاء الأقوياء في الخارج، كالذي كان يركن إليه المسيحيون، ولما كانت المهارة الشاقة اللازمة