مر قرنان تقريبا فيما بين ظهور نظام بدائي لتوازن القوى في إيطاليا خلال العقود الأخيرة من القرن الخامس عشر، وانتصار فكرة توازن القوى في غرب أوروبا بحلول نهاية القرن السابع عشر، وقد أربك الانتشار المتردد لقبول هذا المفهوم مؤرخي العلاقات الدولية أمثال هربرت باترفيلد، ولكن الشيء المهم ليس هو الانتقال البطيء للفكرة الأصلية بل الأسباب التي أدت إلى تقبلها في النهاية. >
وكما قال راب بصورة تتسم بالإقناع، فإن الفترة من القرن السادس عشر وحتي بدايات القرن السابع عشر كانت فترة اضطرابات وتغيير وإثارة وكرب في أوروبا؛ حيث اتسمت هذه الفترة الطويلة بمحاولات مؤلمة للتوافق مع مجموعة هائلة من الأفكار الجديدة في جميع المجالات وهي الأفكار التي أزاحت جانبا الأمور القطعية القديمة التي أتسمت بها العصور الوسطى
مع فقدان التوقعات لقدرتها على الإقناع، ساد مناخ من تلمس الطريق والشعور بعدم الارتياح، حيث تشبث قادة أوروبا وفلاسفتها وفنانوها بعالم بدي أنه يتداعي فوقهم، حيث يتخلل ذلك الشعور بأن جميع المعالم البارزة قد أخفت المؤلفات التي صدرت في ذلك العصر إما كان الرجال يقوضون هذه المعالم وإما كانوا يلتمسونها دون جدوى (1975: 37 , Rabb) لم يكن من الممكن أن تستمر حالة عدم اليقين الفكري هذه إلى ما لا نهاية، وقد يكون العلم، وهو ربما ما يدعو للسخرية، السبب الذي ساعد على زرع بذور الشك عبر تقويضه للنموذج الأرسطي للكون والذي وجد في النهاية حلا توافقا للأعمال الفكرية المنتجة في هذه الحقبة مع بروز مفهوم موحد جديد للكون ذلك الذي قدمه نيوتن
لقد كان لهذه الوظيفة التوفيقية والهادفة إلى إحداث التجانس والتناغم دور هام. كما آنها تفسر أسباب نجاح الاستعارة"الميكانيكية"في الترويج لنظرية توازن القوي خلال هذه الفترة وفقا لما ذكره هاس. حيث اتسمت المئة سنة السابقة بالشقاق الديني، والاضطراب السياسي، والحرب. وقد أدى ذلك إلى التماس الانسجام والتناغم في جميع مناحي الفكر الأوروبي خلال القرن السابع عشر تقريبا، وهي سمة مميزة للفترة الباروكية.
نظرا لحالة الاضطراب التي تعد حرب الثلاثين عام (48 - 1618) أحد الأمثلة الوحشية عليها، لم يكن من المستغرب أن يتجلى هذا السعي وراء الانسجام والنظام بشكل خاص في العلاقات الدولية، وهو ما نتج عنه سلسلة من العروض لتحقيق السلام الأبدي (على سبيل المثال صلي، وبن، ويلرز) وصياغة جروشياس (Grotius) لمباديء القانون الدولي والذي يقول في مؤلفه المعنون ب"حول قانون الحرب والسلام""On the Law of War"