الصفحة 26 من 352

صرف. فالتحديات من هذا المنظار أمنية، فسواء أكانت مواجهات عسكرية مباشرة أم عمليات قصف جوي، إلا أنها أمنية في كل الأحوال. لذلك فقد قاموا بتقييم كل التغيرات التي طرأت طوال نصف قرن تقييمة عسكرية كلاسيكية تقليدية، أي على أساس حساب القدرة العسكرية والاقتصادية وتقنياتهما.

وقد نتج عن هذا التقييم عمل عظيم الأهمية كما نوهنا أعلاه. فقد طور الحلف الأطلسي طرائق خلاقة لإضعاف الغريم، مثل تحريك الجماهير ضد حكوماتها في اعتصامات سلمية متمردة، أو تحريض الجماعات المحلية ضد بعضها، أو تسليحها وإطلاقها في عمليات محلية بينية، في مجتمعات كانت تتعايش فيها كل هذه الفئات من قبل. إلا أن هذا البحث يرى أن كل هذه الحراكات ليست إلا مظاهر استراتيجية المسائل سياسية أشد غمقة وتعقيدا في نظرنا. وبعد البحث توصلنا إلى قناعة مفادها أن صراعات الجيل الرابع، التي لا تزال تعصف بمناطق كثيرة من العالم بما فيها منطقتنا العربية، قد وصلت بدورها إلى حدود إمكاناتها.

وكما سنرى في سياق البحث، فإن كل العناصر قد تهيأت لدخول عصر، وأن على ذوي المسؤولية الاستعداد لها. فقد تغيرت طبيعة أنظمة الحكم، ومعها التكنولوجيات التي تسارع وقع التقدم فيها، وصار بإمكان مجموعات

صغيرة أن تتحدى دولا أكبر منها، بكلفة زهيدة وفاعلية مذهلة. والأهم من ذلك كله أن البشر أنفسهم قد تغيروا، فصارت قدرائهم أوسع ومعارفهم أعمق ومطالبهم أكبر.

وأن كسب رضا الشعب لم يعد بالشهولة نفسها مثلما كان في السابق، ولم يعد ظلم الناس ممكنة مثلما كانت عليه الأوضاع حتى اليوم. فقدرتهم على الرد عالية، حتى لو كان الظالم دولة عظمى. هذا الصنف من القدرات يتخطى آفاق صراعات الجيل الرابع، ويأخذنا حتما إلى جيل جديد من الصراع لم يعرفه العالم من قبل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت