إن هدف هذا البحث هو محاولة فهم الأنظمة السياسية القائمة حاليا وفكرها الاستراتيجي، ثم وصف انتقالها إلى مرحلة أخرى تختلف جذرية عن المرحلة الحالية. فالنظم العسكرية القائمة تخدم حاليا بيئة سياسية على الساحة الدولية هي، برأينا، ذات طابع انتقالي بطبيعتها. فالمنافسة بين دول الحلف الأطلسي والدول الناهضة، لاسيما الصين ودول آسيوية أخرى، لم تحسم بعد لصالح أي من الطرفين، واستعمال التكنولوجيات الجديدة، التي سوف نستعرض بعضها، سوف يؤثر كثيرة في مسارات المنافسة بينها على النفوذ الدولي. فإذا كانت العقائد العسكرية مسخرة لخدمة الأهداف السياسية، فإن الوضع البنيوي للمركب السياسي المتحول يشير إلى إمكانية تغير عقائد كثيرة، ومنها عقائد أنظمة الحكم، ومعها العقائد العسكرية والسياسية.
إن ما نريد التعرض له في هذا البحث يتعدى أقلمة الأداة (القوات المسلحة وطريقة عملها) لتلائم مستلزمات السياسة. فالتطور على الساحة الدولية أكثر عمقة لأنه، بطبيعته، ثقافي حضاري صناعي، ويحمل طابع الانعطاف والتبذل والاضطرارية، وفي كل هذه المجالات معا. لذلك فإن هذه التطورات سوف تتيح للحركات التي تطالب بحقوقها أن تطور فرصة أكبر للدفاع عن مصالح شعوبها أو الفئات التي تمثلها، دون أن تتمكن الدول المهيمنة من الدفاع عن نفسها بمستوى الفاعلية نفسه الذي نعرفه اليوم. لذلك فإننا سوف تبرهن أن فكر حروب الجيل الرابع قد بدأ يتلاشى، وأنه سيتحول إلى ما نسميه، وبالترجيح، في المستقبل القريب
سوف نبدأ بحثنا (الفصل الأول) باستعراض أجيال الحرب الأربعة التي تبناها فكر الحلف الأطلسي. إلا أن من الضروري شرح نظم حروب الجيل الرابع منها مع مزيد من التفصيل (الفصل الثاني) . ذلك أن المؤسسات السياسية والعسكرية في دول الحلف أقدر على تعلم دروس هذا الجيل من الحروب، وأسرع في تطبيقها من