إننا في عالم يسهل فيه التحقق من كل معلومة يتبادلها دبلوماسيو البلدين. فإذا زعم أحدهم أن «ليس لدينا مطار في شرق البلاد» ، فبإمكان الدولة الغريمة أن تتحقق من صحة هذا الادعاء عن طريق مراجعة الصور الجوية التي يتجدد التقاطها بشكل دوري (من الأقمار الصناعية) . والدولة التي لا تملك مثل هذه الأقمار الصناعية تستطيع أن تشتري الصور من دول كثيرة تملكها وتبيعها. واستمرار الكلام بين الدولتين لن يأخذ مجراه الطبيعي ومصداقيته إلا إن كانت المعلومات المتبادلة قابلة للتحقق والإثبات. لقد انتهت أيام الدبلوماسية المبنية على الثقة المتبادلة. إن الثقة، من حيث المبدأ، أمر مرفوض، وعمل الدبلوماسية هو، بالذات، فهم النوايا والتفاهم على الخطوات المقبلة المشتركة (هذا يعني التفاهم على عدد كبير من القضايا. ففي العلاقات الأميركية الصينية ثمة ضرورة ملحة للتنسيق يفرضها حجم التبادل بين البلدين في كل المجالات، من التجاري إلى التفاهم على المواصفات الصناعية، إلى اللائحة الطويلة التي تحدد العلاقات بين دولتين عظميين. وفي آخر اجتماع تنسيق بينهما، في صيف 2015، تم التوقيع على 300 اتفاقية، والترجيح أن عدد هذه الاتفاقيات سوف يستمر بالازدياد مع مرور الزمن) .
وثالثها أن الإمبراطورية تستشعر الخطر عند تسجيل أول بادرة استقلال في القرار. واستقلال القرار السياسي المحلي هو إحدى مشاكل الدول الكبرى مع الدول النامية والناشئة، الجديدة على الساحة السياسية الدولية، فهي لا تستطيع أن تعيش مع المفاجآت السياسية التي قد تصدر من هذه الدول. واستقلال قرار مثل هذه الدول هو المشكلة. فالقرار السياسي ليس صادرة، في أكثر الدول، عن تخطيط سياسي عميق، فهو، بالتالي، غير معروف مسبقا، أو غير قابل للتقدير والتقييم قبل صدوره. هذا يعني أن مجموعة القرارات التي قد تصدر عن هذه الدولة الفتية مرشحة لكثير من المفاجآت الممكنة، وهنا مكمن الخطر. ولهذه المشكلة المشروعة نتائج تستوجب البحث من حيث المبدأ (وإن كانت تخرج عن إطار هذا الفصل) . فالدولة الكبرى مضطرة لحماية مصالحها في الميادين التي قد تتعلق بقرار الدولة «الاستقلالية» ،