الصفحة 324 من 352

الغربية، لاسيما الأميركية والبريطانية، أي لصالح الدول التي قادت اجتياح العراق. ويؤكد هذا القرار على أن إحدى مهمات عملية الاحتلال كانت، بالذات، إعادة توزيع الموارد النفطية لصالح الشركات البريطانية والأميركية، مما يشير بشكل واضح إلى العلاقة بين عملية الاحتلال وعمليات استخراج النفط وجنسية الشركات الحاصلة على الامتيازات، الأمر الذي يؤكد على العلاقة بين الاقتصاد والسياسة والعمليات الحربية وسياسة الإمبراطورية بصورة عامة.

كل هذا يشير إلى أن هناك ترابطة ثابتة وعميقة فيما بين الشركات، من جهة، وبينها وبين ما تقوم به الدولة على الساحة الدولية وما تتطلبه مصالح الشركات المتعددة الجنسيات من جهة أخرى. وقد رأينا كيف أن الأموال المودعة في الملاذات الضريبية، أي الخارجة عن سلطة الدولة، تعادل، وعلى الأرجح تتعدى، ما تحصيه الدولة وتراقبه وتقوم بفرض ضريبتها عليه. كل هذا يشير إلى ظاهرة أقل ما يقال فيها إنها مستهجنة، ذلك أنها تثير التساؤل عما إذا كان دور الإمبراطورية هو أن تخدم الشركات والمؤسسات التجارية والصناعية والمالية، وأن تمارس الدبلوماسية وتشن الحروب من أجل خدمة مصالح شركاتها!

تطرح هذه الظاهرة المسألة الصعبة الجديدة المتعلقة بدور الدولة في الغرب في القرن الحادي والعشرين. فالقناعة التي تولدت عند الذين تعلموا في الغرب، أو في المدارس والجامعات الغربية في الخارج، هي أن الدولة قد أنشئت لخدمة الشعب. هذا ما يفسر النظام الانتخابي والديمقراطية والتعليم المجاني والضمان الصحي وغيرها من الخدمات، مع ما يصاحبها من نظام الجباية الضريبية. إلا أن مطالعة السياسة الخارجية تشير إلى تطابقها مع مصالح الشركات الوطنية العاملة في الخارج والشركات المتعددة الجنسيات؛ الأمر الذي يشير إلى أن خدمة هذه الشركات قد تكون الأولوية الأكثر إلحاحا في هذه السياسة الخارجية.

بمقدور الولايات المتحدة بالطبع أن تمنع الملاذات الضريبية من التعامل بعملاتها. وقد برهنت عن ذلك سابقا. فقد هدد القضاء الأميركي النظام المصرفي السويسري بمنعه من التداول بالدولار الأميركي، وأجبره على التفاوض مع ممثلي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت