اليهود المتضررين من النازية ومن سرية المصارف السويسرية، وأن يتفاهم على المبالغ التي تستحق على سويسرا. هذه القضية ذات طابع قانوني صرف، وهي
حالة غريبة وسابقة دبلوماسية، فقد تم استخدام القضاء الأغراض سياسية على الساحة الدولية. فما بال الأموال التي تتهرب من الضريبة، في الملاذات الضريبية، والتي بإمكانها أن تنقذ واشنطن من مديونيتها؟ هل هناك «مصالح مشتركة» بين الدولة والمتهربين من الضريبة؟ هذا السؤال بحد ذاته مستهجن ولكن كيف نفر هذه الظاهرة؟ وهل هناك أفضلية لمصالح الشركات على المصلحة الضريبية للإمبراطورية؟
إن هذا الموضوع بشكل العنوان الرئيسي للخلاف الداخلي بين فلاسفة الغرب. وكما رأينا في هذه الدراسة، فإن ثمة مراكز كثيرة تنشر كميات هائلة من الدراسات والبحوث، وهذه المراكز ليست كلها «مستقلة» ، إذ إن كثيرة منها يمثل وجهة نظر مموليها. ولم يبق في الساحة إلا آراء المفكرين والفلاسفة الذين احتموا بجامعاتهم أو وظائفهم واكتفوا برواتبهم وحافظوا بذلك على استقلالية آرائهم وحريتهم في التعبير.
لقد ألهم المشهد الفكري الأوروبي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر العالم السياسي وأسهم في توجيه القيادات التي أطلقت الثورة الصناعية. كما أنه أتحف العالم بالثورتين الفرنسية والأميركية، واستمر هذا الزخم الفكري في الغرب حتى النصف الأول من القرن العشرين. إلا أن ظاهرة «الارتزاق الفكري» Intellectual) (Mercenaries جديدة ولا مثيل لها في تاريخ الأمم. فوجود المرتزقة في الجيوش ليس أمرأ مفاجئا، فهم موجودون منذ هنيبعل، وعلى الأرجح قبله. لكن ظاهرة المرتزقة في الفكر والفلسفة ظاهرة جديدة. فقد سيطرت اللوبيات على الإنتاج الفكري، وتقوم بالتضييق على الأصوات التي تعارض مناهجها وأفكارها وأجنداتها. أما الأصوات التي تفضح آلياتها فسرعان ما تكتسب سمعة «عدم الجدية» أو «الارتجالية» ، وفي الحالات التي ترفض الإذعان فإنها تنعت بأنها «أصوات شاذة» (1) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يمكن الاطلاع على هذه المواقف من خلال السيرة الذاتية لنعوم تشومسكي: