طريق التداول فيه، أو محاولة الإقناع بتغييره عن طريق النقاش، أو محاولة التأثير في صاحبه عن طريق الضغط أو الابتزاز أو التآمر. گلها تجارب حدثت في عالم الواقع. إلا أن الشأن العسكري مختلف في خصوصيته. ذلك أنه لا يكتسب کامل وزنه إلا عندما يتحول إلى نظام تشتمل مكونائه على عناصر كثيرة مثل تدريب الجنود وصناعة الأسلحة واعتماد أنظمتها لفترات تطول أو تقصر. وبالتالي لا يمكن تغييرها بالسهولة نفسها. وفي الحالات القصوى، التي تستوجب مثل هذا التغيير، تقوم الدولة بتشكيل اللجان الفنية التي تقترح شكل التغيير وتتخذ كل الاحتياطات لتفادي الخطأ. فالقرار ببدء برنامج تسليح جديد يستهلك موارد كبيرة ويستوجب مدة طويلة للتنفيذ. وليس أدل على ذلك من الأنظمة العسكرية التي تم اعتمادها في كل من ألمانيا وفرنسا في الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى. فقد كان الألمان قد تعلموا كثيرة من حرب عام 1871 واحتلالهم باريس وتثبيت الوحدة الألمانية (1) ، ولا سيما استعمال السكك الحديدية لنقل الجنود والعتاد، وسرعة التحرك والانضباط المبالغ فيه في تنفيذ الأوامر وساعات توقيتها وتوزيع المسؤوليات فيها. وعلى أثر هذه الحرب بدأت القيادات الفرنسية تطلع وتتعلم وتواكب وتماثل الألمان في التطورات التي كانوا يعتمدونها (2) . وعندما أعطيت الأوامر لتحريك الجيوش قبيل الحرب العالمية الأولى لم يعد بمقدور القيادات السياسية الأوروبية على طرفي النقيض تعديلها أو إيقافها. فالنظام الذي اعتمده طرفا النزاع لم يكن يقبل تعديل الخطط خلال فترة التنفيذ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أدت خطة مولئكه إلى احتلال باريس. إلا أن اتفاقية السلام التي وقعها الطرفان عند انتهاء الحرب لحظت فصل مقاطعتي الألزاس واللورين عن فرنسا وضمهما لألمانيا. واعتمد المستشار الألماني بسمارك، الحاكم آنذاك، على هاتين المقاطعتين لاستكمال مشروع الوحدة الألمانية التي كان قد بدأها سابقا. ونتج عن ذلك انضمام مملكة بافاريا ومقاطعات أخرى إلى الرايخ الألماني، مما نتج عنه توحيد الأراضي الألمانية
(2) اعتبرت فرنسا خسارة مقاطعتي الألزاس واللورين قضيتها الوطنية الأولى، فاعتبرت ألمانيا عدوتها حتى يأتي يوم «التحريره، وبنت على أساس ذلك سياستها الخارجية والعسكرية منذ احتلال باريس في 1871 إلى بداية الحرب العالمية الأولى عام 1914. وقامت وزارة الدفاع في الجمهورية الثالثة برفع مستوى دفاعاتها وأنظمتها الحربية، مستفيدة من تجربة حرب 1871، وأضافت إليها كثيرا من الابتكارات.