وتبدو الدولة كهدف جذاب لأي ساع لإحداث إصلاح مجتمعي، ديني أو دنيوي، إذ يتيح التحكم بمقدرات الدولة والإمساك بزمام أمرها بالإقناع أو الجبرإملاء القيم الدينية وتطبيقها بين أفراد المجتمع. وبطبيعة الحال، فلا يشترط في القيم أن تكون دينية فحسب: اللينينيون قد ارتأوا أن السيطرة على الدولة أمر حتمي، وضرورة واجبة لإرساء نظام شيوعى على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وبالمثل، حرص بعض الإسلاميين، خلال أزمنة مبكرة، على توظيف سلطات"الدولة الإسلامية"لإنشاء مجتمع إسلامي حقيقي. وبمرور الزمن، فقدت تلك الفكرة كثيرا من جاذبيتها حين أصبح الكثير من الإسلاميين، بفعل تراكم الخبرات، يركن إلى الذهاب بإعفاء المجتمع من معاقبة المخطئ، تاركين ذلك الخضوع للعقاب من قبل الله. وكما صورها لى أحد الأتراك قائلا:"الدولة ليست ملزمة بالإبقاء على أبواب جهنم مغلقة، إذ يجب أن تكون تلك الأبواب مفتوحة ومشرعة أمام الجميع."
وفي هذا الصدد، توجد عناصر مشتركة في المسيحية، حتى في الغرب، تقدم لنا أشباها جلية. فخلال الأعوام المائة الماضية، انبثقت حركة"للإحياء"أو"لإعادة التأسيس تقوم على التنظير بشأن الإرساء الفعلي لدولة ترتكن إلى تعاليم المسيحية ومبادئها. وكما ينظر الكثير من المسلمين للقرآن بأنه مصدر التشريع، فإن"الإحيائيين المسيحيين يرون أن الإنجيل، وليس دستور الولايات المتحدة الأمريكية، هو الوثيقة التي يجب أن يسير مستقبل البلاد على هداها ويحذو حذوها. كذلك، يذهبون إلى ضرورة أن تكون المبادئ الأخلاقية مشتقة من تعاليم الإنجيل"، بحيث تمثل تلك المبادئ الأسس التي تنبني عليها قوانين الأسرة والمجتمع والحكومة المدنية - ظلال من كالفنية جنيف، بل يذهب بعض الإحيائيين إلى المطالبة بوجوب تخويل رجال الدين مقاليد الأمر بالحكومة ذاتها، على النحو الذي يذكرنا بالثيوقراطية الإيرانية المعاصرة في ظل حكم الملالي وولاية الفقيه، وبذا تكون الحكومات أنفسها مسئولة على ضوء من المبادئ الأخلاقية للعهدين القديم والجديد."