فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 377

وقائعها في وقت يشهد فيه العالم الإسلاني شقولا وتوترات عنيفة. إذ يواجه أي دين تربطه بالدولة ونظمها روابط مؤسساتية مازق مماثلة: العلاقة فيما بين الدين والسلطة السياسية، دور الإجبار والقسر في توطيد الممارسات الأخلاقية، فضلا عن مشكلة تطبيق القيم الأخلاقية في المجتمع، وكذا مشكلة إدارة الحكم من خلال الفعل السياسي. إلا أنه عندما يتم تحرير الدين من قبضة الدولة، فسرعان ما سيتم استخدامه كأداة سياسية لمناهضة الدولة والمطالبة بإحداث إصلاحات تحت شعار القيم الدينية.

رأينا في فصول سابقة كيف كان الصراع على التحكم في المعتقدات الدينية وإحكام القبضة عليها عاملا أساسيا في الصراع على السلطة والنفوذ. ولقد جسد"الإصلاح البروتستانتي"ذروة هذا الصراع في الغرب. ففي الماضي، لم تكن رموز الإسلام الدينية تستطيع تحديد السياسات والزعامة التي تنطوي عليها قوة الدولة كما كانت الحال بالنسبة للمسيحية لنحو خمسة عشر قرنا في الغرب. أما اليوم فإنه، ووفقا للإصلاح الديني في الإسلام، فإن مجمل الاتجاهات قد تبدلت، فمع انبثاق الأصولية الإسلامية المعاصرة، لم يعد الإسلام، كما العهد به سابقا، قانون الدولة الرئيسي. فرجال الدين نور الضحالة العلمية والفقهية قد أضحوا يمارسون تأثيرا متزايدا في المجتمع، كما أصبح لهم صوت مسموع عن ذي قبل، إذ يتصارعون مع الدولة لنيل الأحقية في امتلاك"القوة الدينية، ويسعى الإسلاميون الأصوليون، المؤهلون منهم وغير المؤهلين، لاستغلال الدين كأداة للإصلاح السياسي والاجتماعي، وللإطاحة بالدولة ... والتي يرونها لا تخدم أيا من الإسلام أو المواطنين."

الذا، فحين ننظر إلى الأصولية الإسلامية اليوم، فنحن لا نتحدث عن انتاج ديني غريب في الشرق الأوسط. فالإسلام والمسيحية يتشابهان في مسيرتيهما مع توالي ظهور قوى جديدة للتفاعل - وهي السمة المميزة لتطور المسيرة الدينية في سعيها للتعايش مع معطيات القوى المحيطة. ففي عمر ديمقراطي معاصر، ليس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت