فهرس الكتاب

الصفحة 232 من 377

أو الصين. فالمسلمون في أوروبا ليسوا من السكان الأصليين، بل هم مهاجرين جدد ممن تركوا أوطانهم، طواعية وعلى نحو فردي، الهجرة إلى بلدان غير إسلامية ابتغاء للعمل وإقامة أسر جديدة. وفيما ذهب البعض للعمل في أوروبا باعتباره نقلة مؤقتة اقتضتها ظروف بذاتها واستهدفت أمورا مادية، إلا أن قرارهم كان ينحو، على نحو مطرد، صوب الاستقرار والإقامة الدائمة في أوروبا، ومن ثم سعيهم للحصول على جنسية البلدان التي يحيون بها، وقبول وضعهم كأقلية في مجتمع تسوده أغلبية مغايرة.

وبطبيعة الحال، تختلف الحياة في أوروبا المعاصرة ذات التعدد الثقافي اختلافا كليا عن الحياة في معظم البلدان على امتداد العالم مما يستتبع انبثاق قضايا متجددة ومعقدة تتعلق بهوية المهاجرين. وفي معظم الحالات، تمثل أوروبا أول احتكاك للمسلمين بمجتمع تحلل بالكلية من مظاهر الإثنية والدين ... ذلك المجتمع الذي لم تعد فيه تلك المظاهر ذات أهمية في الحياة، إلى أن بدأت أفواج تترى من المهاجرين تطة الأراضي الأوروبية. كذلك، فقد كانت الخبرة والتجربة الأوروبية جديدة بالنسبة للمهاجرين المسلمين - وكذلك بالنسبة لأغلب المهاجرين الوافدين إليها من بلدان العالم النامي.

وعلى نقيض أمريكا الشمالية، فإن أوروبا، بطبيعتها، ليست مجتمعا مهاجراء إذ تشكلت من قوميات وثقافات أوروبية غربية بالدة وعريقة يغلب عليها نمط الحياة المحافظ. ويقينا، كان"الآخر المسلم مألوفا تماما لأوروبا كونه العدو التاريخي اللدود لها - ولكنه غالبا ما كان عدوا بعيدا ... جغرافيا. ففي عام 732، قامت أوروبا بطرد الجيوش العربية من بواتييه بإسبانيا المسلمة آنذاك - واعتبرت، بذلك، أنها قد أنهت، وللأبد، أي احتمال لغزو إسلامي مستقبلي، وأية"أسلمة محتملة الأوروبا. وقد تقابل كل من الأوروبيين والمسلمين في ساحة الوغى أثناء الحروب الصليبية. وفي عام 1492، وضع الملك فرديناند والملكة إليزابيلا نهاية قاسية لسبعة قرون من الحكم العربي للأندلس ... ذلك الحكم الذي اتسم بالتعددية، حيث تجاورت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت