فهرس الكتاب
من قبل بلدانهم الكولونيالية ذاتها - وهو الأمر المختلف عن الصراعات المناهضة للإمبريالية والتي نشبت لاحقا في مواضع أخرى من العالم.
أما المرحلة الرئيسية التالية للحركات المناهضة للإمبريالية وحركات الإصرار الذاتي على التحرر، فقد انبثقت، في الحقيقة، حين وقعت سلسلة من الثورات
المسيحية في البلقان ضد الإمبراطورية العثمانية المسلمة خلال القرن التاسع
عشر. ولقد كان العامل الحاسم في نجاح تلك الثورات - دعم روسيا والقوى الأوروبية لها، لاستعدادها لمؤازرة تلك الثورات"المسيحية بغية تحجيم الإمبراطورية العثمانية وتقليص حجمها ونفوذها، وبالتالى اجتذاب"مؤيدين جدد لها في ذلك الإقليم. ويمثل الطابع المسيحي لتلك الثورات تناقضا صارخا لولاء الرعايا المسلمين الأساسي تحت الحكم العثماني، والذين كانوا ما يزالون ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم جزا من الإمبراطورية الإسلامية ذات القوميات المتعددة - بغض الطرف عن أية مظالم لهم بشأن السياسات المحلية التي تنتهجها الإمبراطورية. ونتيجة لذلك، فقد استشعر الحكام المسلمون مخاوف تتعلق بقابلية الأقليات المسيحية لأن تثور، خاصة وهي رهن إشارة البلدان الغربية. وبالفعل، كان يمكن للزعماء المسلمين، منذ مائة وخمسين عاما خلت، التحدث ببعض الثقة عن الحدود الدموية للمسيحية في استنهاض الثورات ضد الإمبراطورية العثمانية ... تلك الإمبراطورية التي واجهت بعض الثورات المحلية الموجزة من قبل المسلمين والتي كانت تتسم بمحدودية الانتشار.
وبالنسبة لمعظم بلدان العالم العربي، فإن انهيار الإمبراطورية العثمانية، مع نهاية الحرب الكونية الأولى، لم يكن ليعني حصولها على الاستقلال مطلقا. ففي تحول عنيف للأحداث عقب الحرب مباشرة، أخضعت القوي الأوروبية الكثير من
بلدان العالم العربي للانتداب تحت سلطاتها، وبذا فقد أخضعت تلك البلدان الهيمنتها الإمبريالية. لذا، فإن الثورات التي حالفها النجاح، والموجهة ضد الإمبريالية الأوروبية من قبل المسلمين قد قامت، بالأساس، في وقت متأخر نسبيا