فهرس الكتاب
الاستراتيجية الكبرى
تماشيا مع عنوان هذا الكتاب، يتعين على واشنطن أن تصيغ سياساتها في الشرق الأوسط كما لو لم يكن ثمة"إسلام". فجل القضايا في هذا الإقليم يمكن أن يتم تناولها وحلها دونما اللجوء إلى الإسلام كعامل فاعل أو تفسيري، وبالفعل فإن اعتبار الإسلام تفسيرا لتلك القضايا يجعل رؤيتنا لها مشوشة ومرتبكة. فالإسلام، وبخاصة في ثوبه الأيديولوجي الأكثر تطرفا، يمكن أن يزيد من تعقد تلك المشكلات وتفاقمها، وإن كان لا يخلقها من الأساس. إذ تنشأ تلك القضايا والمشكلات، بالأحرى، من تحديات إقليمية سياسية واقتصادية واجتماعية محددة وواضحة ... تلك التحديات التي تتجاوز العنصر الديني، حتى وإن تم تغليفها في غلالة من الخطابة البلاغية الإسلامية.
فلرؤية المشكلات كما لو كانت مرتبطة بالإسلام، نحن مدعوون لتكريس الوقت والطاقة لبحث"الدين"ودراسته، والسعي لتغيير تأويلنا وفهمنا له وفقا لطرائق نجدها أكثر ملامة لمصالحنا الذاتية. بيد أن أية"نسخة أمريكية للإسلام قدرها أن تقابل بالرفض والاستنكار، وحقيقة الأمر، فإن مصطلح"الإسلام الأمريكي"قد تم نحته، بداعة، إبان الثورة الإيرانية، وهو إحالة لاذعة وساخرة لإسلام مكرس بالكلية التقوى الفردية، والمبتعد تماما من مجريات السياسة ومقتضياتها، غير المدرك أي المبال بالقضايا السياسية الساخنة في عالم اليوم - وبعبارة موجزة، ذلك الذي لا ينتج أية أثار جيوبوليتيكية. إذا، فإحالة الأمر إلى الإسلام بنقل المشكلة، بصورة جلية، إلى"الآخر"، فلا يستتبع أية دراسة جادة من جانبنا لإخفاقات سياساتنا ذاتها، ولكن لا ينصرف القصد من وراء هذا إلى تقرير عدم وجود مشکلات حقيقية في إقليم الشرق الأوسط والعالم النامي تستدعي العمل على علاجها علاجا ناجا، إذ توجد الكثير من المشكلات في الواقع. وكما أننا لا يمكننا أن نحمل"الإسلام مسئولية كل شيء، كذلك فإنه لا يمكننا أن نحمل الغرب مسئولية كل شئ. بيد أن إنعام النظر في قضايا بعينها، وإيلاها أهمية قصوى - بما في ذلك أسبابها