المعرفة تمثلها العبارات الصادقة. ووفقا لنظرية تطابق الحقيقة مع الواقع، تعد العبارات صادقة وصحيحة إذا اتصلت بالحقائق. ومن أجل ترسيخ الصلة (بينها) ، ينبغي على الحقائق والعبارات المعبرة عنها أن تكون مستقلة عن بعضها بعضا. هذا هو المطلب الذي لا يمكن تحقيقه حين يكون تفكيرنا جزءا مما نفكر فيه. ولا تظهر هذه الحالة المعقدة في كل جانب من جوانب الواقع. فحركة الأجرام السماوية (ووضع الزواحف للبيض مثلا) تحدث بمعزل عن رأينا وتفكيرنا بها. فهي أغراض للمعرفة.
لا ينطبق الأمر ذاته على الحالة التي نفكر فيها بالواقع ككل، أو الظواهر التي يسهم فيها البشر. فحين تشارك في الأحداث التي نفكر بها، تتفاقم التعقيدات وتتعاظم. إذ لا يقتصر الأمر على أن معرفتنا ناقصة، بل يصبح - وهذا هو الأهم - فهمنا الناقص والقاصر، أو عدم عصمتنا، جزءا من الواقع.
لا يمكن أن نعتمد على المعرفة وحدها عند اتخاذ القرار. فالواقع ليس مستقلا بل هو متوقف على قراراتنا. نتيجة لذلك، لا يمكن لقراراتنا أن تتطابق مع ما قد نفعله إذا امتلكنا جميع الحقائق ذات الصلة. بكلمات أخرى، لا يعد سلوكنا عقلانيا برمته. لكن هذه الطريقة في التعبير عن المسألة ليست سوى تشويه وتحريف لما يمكن للعقل البشري أن ينجزه. فهي تفترض إمكانية تأسيس القرارات - من حيث المبدأ - على أخذ جميع الحقائق ذات الصلة بعين الاعتبار. وهذا تشويه متجذر في عمق الطريقة التي ننظر عبرها إلى علاقتنا بالواقع. فمجرد حقيقة أننا نتحدث عن العلاقة بين الفكر والواقع تتضمن أن تفكيرنا منفصل إلى حد ما عما تفكر فيه. لكن الأمر ليس كذلك. فالعلاقة بين الفكر والواقع ليست قائمة