بعد انتهاء تلك اللقاء وذهاب الزبير باشا إلى حال سبيله، جرت مناقشة مذكرة الجنرال التي اقترح فيها، حتمية مرافقة الزبير باشا إلى الخرطوم. كان الحاضرون كلهم، وبخاصة العقيد ستيوارت، رافضين ذهاب الرجل إلى السودان. أما أنا فكنت أحبذ استخدام الزبير باشا في السودان. يزاد على ذلك، أني وجدت أن العقبة الوحيدة التي تقف في طريق تنفيذ سياسة الجنرال غوردون، تتمثل في عدم وجود رجال محليين أقوياء يعهد إليهم بالحكم مستقبلا في السودان، وبخاصة الخرطوم. كان من رايي أن إعطاء الزبير باشا مبلغا من المال بالإضافة إلى مركز فعال، يمكن من تأمين صداقته اللجنرال غوردون؛ وأنه لن يكون هناك شك، في حال تأمين هذه الصداقة، في أن الرجل سيثبت أنه أداة قيمة في تنفيذ سياسة الجنرال غوردون. كانت الحجج المضادة لذلك قوية هي الأخرى.
وأول هذه الحجج، هو أن استخدام زبير باشا، سيحدث بكل تأكيد صيحة في إنجلترا، كان يمكن أن لا أتدارك ذلك، لو علمت علم اليقين أن استخدامه أمر مرغوب فيه. لكن، هل كان استخدامه أمرا مرغوبا فيه بحق؟ لم أكن في تلك اللحظة مستعدا لتحمل المسئولية الناجمة عن الإجابة بالإثبات على هذا السؤال. كان له وزن الرأي المؤثر ضد إرسال الرجل إلى السودان بشكل قاطع. يضاف إلى ذلك، أني كنت أود متابعة سير قيادة الجنرال
غوردون، لكن الرجل نفسه تردد في اختيار الطريق الذي يمكن أن يسير فيه. كان من المستحيل تحديد مدى حيوية ذلك الرجل الطائش، لا من منطلق أخذ الضرورات السياسية للموقف بعين الاعتبار، وإنما من منطلق إحساس بطولي مفاده أن الرجل ربما يكون، في الأزمات السابقة، فقد ظلم زبير باشا بشكل أو بآخر، وأنه أراد التكفير عن ذلك الظلم، عن طريق إعطاء غريمه القديم الفرصة التي يمكنه من خلالها استرداد مكانته. ومع ذلك، فإن الحجة التي أقنعتني، أن استخدام الزبير باشا لم يكن أمرا مطلوبا في ذلك الوقت،