وبخاصة أن الناس يقولون الآن: إن بازيه (*) لم يعودوا موجودين بعد. كتب الى الجنرال غوردون، هو الأخر، من أبي حمد في اليوم الثامن من شهر فبراير: فيما يتعلق بزبير باشا، هو الرجل الوحيد الذي يصلح أن يكون حاكما عاما للسودان إذا ما أردنا للسودان الهدوء، وفيما يختص بعلاقته بي فهو ليس لديه مانع من القيام بذلك. أتمنى أن تلتقي هذا الرجل المهم مرات ... وأتمنى أيضا أن تلتقيه أيضا السيدة بيرنج" (**) ."
وليس هناك شك، في أن وصول الجنرال غوردون إلى الخرطوم، وبعد أن أصبح لديه معلومات أفضل عن الموقف في السودان، لم يؤد فقط إلى تغيير آرائه المتفائلة السابقة وإنما إلى تعاطفه أيضا مع أهل البلاد، الأمر الذي جعله ينسى الهدف الرئيس الذي أوفد لتنفيذه في السودان. لكن لم تمض بعد ذلك سوى أسابيع قلائل، قام بعدها ذلك الرجل الذي سبق أن أصر على ما مفاده أن سياسة الجلاء عن السودان"ينبغي عدم تغييرها بأي حال من الأحوال"، حتى دون في مذكراته:"أنا أكره حكومة صاحبة الجلالة؛ لتخليها عن السودان بعد أن سببت له كل هذه المتاعب."
لقد وقفت على أول مؤشر على التغير السريع الذي طرأ على آراء الجنرال غوردون، في الرسالة التي أرسلها إلى العقيد ستيوارت من بربر في اليوم الثالث عشر من شهر فبراير، والتي يقول فيها:"غوردون متعاطف مع هؤلاء الناس إلى حد أنه ميال إلى استغلال كل الجهود للتخفيف من وقع الآثار المترتبة على انسحابنا، لكني مقتنع بأن جهوده لن تفلح في منع حدوث الفوضى. وأنا شخصيا، وعلى الرغم من ندمي على ذلك الذي ليس منه بد،"
(*) أورد المؤلف الكلمة Bazingers ليدل بها على الجنود العبيد التابعين لزبير باشا
المترجم)
(**) المقصود هنا هو حرم اللورد کرومر. (المترجم)