من هنا يمكن القول: إن تاريخ الإصلاح في مصر، لا يمثل معلما بارزا ليس له مثيل في دول أخرى جرى فيها طبع الحضارة الأوروبية بدرجة أكبر أو أقل، على حكومة شرقية متخلفة ومجتمع متخلف.
لكن، على حد علمي، ليس هناك مثيل للظروف الخاصة التي واكبت عمل الإصلاح المصري. فواقع الأمر، أن هذه الظروف، كانت ظروفا
خاصة.
اول هذه الظروف الخاصة أن جنسا أجنبيا، أعني الإنجليز، يتعين عليه توجيه السيطرة على جنس أجنبي ثان، هم الأتراك، الذين لا يحبون الإنجليز، في حكم جنس ثالث، هم المصريون. المصريون ليسوا متعاطفين إلى حد ما مع هذين الجنسين، ومسألة عدم التعاطف هذه مع الأتراك جرى التخفيف منها بسبب العادات المشتركة، والدين المشترك واستعمال لغة مشتركة (1) . كما أن مسألة عدم التعاطف هذه مع الإنجليز جرى التخفيف من حدتها عن طريق احترام المواهب الكبيرة من ناحية، وعن طريق المنافع التي عادت على السكان من التدخل البريطاني.
ثاني هذه الظروف، وفي ضوء حتمية مراعاة الأسباب الدبلوماسية والأسباب الأخرى، التي ليس من الضروري التركيز عليها الآن، أن الإدارة المصرية كان لابد من إصلاحها دون إحداث أية تغييرات جوهرية في الشروط التي نشأت الحكومة في ظلها قبل الاحتلال البريطاني. هذه الشروط كان لها طابع معقد تماما. كانت هناك تشكيلة من القيود الدقيقة والصريحة التي جرى ابتكارها بهدف منع أية حكومة سيئة من السير في اتجاه الفساد. عندما جرى تفعيل هذه القيود، في ظل أحوال مختلفة تماما، كان يجري
(1) المسئولون المصريون من أصل تركي يتكلمون الآن كلهم اللغة العربية.