قال عن نفسه:"ليس في هذه الدنيا كلها رجل متقلب مثلى" (1) . واقع الأمر، أنه لم يكن هناك شك في حدوث تغير تام في آراء غوردون عن السودان، عندما وصل إلى الخرطوم، وقف الرجل، من البداية، على الرغبة في محاولة تزويد البلاد بشكل مستقر من أشكال الحكم، وقد تمسك بهذه السياسة فترة طويلة بعد أن أصبح تنفيذها أمرا غير ممكن تماما. كانت نية غوردون في البداية، تنصب على تسليم البلاد من جديد إلى السلاطين المحليين، لكن سرعان ما اتضح أنه لم يكن هناك سلاطين محليون يمكن أن يكونوا أدوات في تنفيذ هذه السياسة. ثم اقترح غوردون بعد ذلك استخدام زبير باشا، ولو قبل مقترح غوردون على الفور، لأمكن في أضعف الأحوال تشكيل حكومة معادية للمهدي في السودان. لكن جرى إهدار تلك الفرصة. وجرى أيضاء الأسباب سبق الإشارة إليها، رفض استخدام زبير باشا. أصبح واضحا من تلك اللحظة أن السودان لابد أن يسقط في يدي المهدي، وقد فشل الجنرال غوردون في الاعتراف بذلك، أو بالأحرى، قد يكون الكلام أكثر دقة، إذا ما قلنا أن فكرة الاعتراف بتفوق المهدى كانت كريهة إلى نفس الجنرال غوردون إلى الحد الذي جعله لا يعترف أو يقر بالنتيجة الحتمية، التي يمكن استخلاصها من دراسة حقائق الموقف. تعلق غوردون بفكرة إنشاء حكومة. معادية للمهدي في السودان، في الوقت الذي أصبح المشروع - علي حد قول اللورد نورثبروك - فيه مجرد أوهام. كان غوردون، على استعداد، في سبيل تنفيذ هذه الفكرة، للتضحية بقناعاته الخالصة. لقد اقترح غوردون مرات ومرات، حتمية إعادة السودان إلى الحكم التركي، الذي اعترض م ن قبل على مظالمه اعتراضا شديدا. كان يعرف أن الشعب السوداني سيجري
(1) رسائل غوردون إلى شقيقته