قمعه في نهاية المطاف، لكنه كان يرى أن الجور والقمع التركيين كانا أفضل من الاعتراف بالمهدي، وفي الوقت نفسه، وفيما يتصل بمسألة تقلب الشخصية، نجد أنه في الوقت الذي كان يضغط غوردون فيه، من أجل إعادة السودان إلى حكم السطان اعترف أن من الأفضل التخلي عن السودان بدلا من السماح له بالبقاء تحت إمرة الباشاوات المصريين المنهكين التعساء. ومهما كانت عيوب الباشوات المصريين، فليس هناك ما يدعو إلى القول إن الباشوات الأتراك يمكن أن يكونوا أرقى وأفضل من الباشوات المصريين. واقع الأمر أن غوردون كان يعرف حق المعرفة، أن الباشوات المصريين في ذلك الوقت كانوا كلهم تقريبا أتراكا أو شراكسة (*) .
الحقيقة هي أن الجنرال غوردون كان جنديا في المقام الأول، بل أكثر من ذلك، جنديا محبا للحرب (1) . لقد بلغت غرائزه القتالية من القوة حدا يصعب معه الاعتراف بان الرجل يعمل مخلصنا من أجل السلام. فال غوردون: إن العرب يتعين إنزال هزيمة حقيقية بهم لمحو النكبات التي حلت بالجنرال هكس، ومحو آثار الهزائم التي نزلت بي أيضا ... أنا لا يهمني ولا يعنيني الانتظار إلى أن أرى المهدي يطاردك في الخرطوم. لا يمكن لامرئ أن يفكر ... أن تلك نهاية مرضية إذا ما سمحنا للمهدي، بعد فك حصار الحاميات، ورضانا عن هذا العمل، بالمجيء إلى هنا والتباهي بطردنا من المكان، والمؤسف ألف مرة ومرة هو التنازل عن الخرطوم للمهدي في
(*) لعله يقصد أنهم تقصروا. (المراجع
(1) قال لي السير صموائيل بيكر، الذي كان يعرف الجنرال غوردون حق المعرفة، بعد
سنوات قلائل من سقوط الخرطوم:"عندما بلغني أن الجنرال غوردون تقرر سفره إلى السودان، عرفت أنه لابد أن يكون هناك قتال".