كان غوردون يعرف، أو لابد أنه كان يعلم، تحت أي ظرف من الظروف، ماذا كانت الأهداف الفرعية والأهداف الرئيسية للسياسة البريطانية، وقد تعمد الرجل تبدية المصالح الفرعية على المصالح الرئيسية؛ نظرا لأن نزعاته الشخصية كانت غالبة في تلك الاتجاه. لقد أعطيت للجنرال غوردون سلطة تمييزية كبيرة، وقد استعمل غوردون هذه السلطة بطريقة تتعارض مع روح، إن لم يكن مع نص، تعليماته. وأيا كانت درجة إعجابنا ببطولة غوردون شخصيا، فإن الأحداث التي رويناها تعد، من وجهة نظري، دليلا وبرهانا قاطعا على أن اختيارا غير موفق كان يمكن أن يحدث بدلا من خيار قيام الجنرال غوردون بتنفيذ سياسة الجلاء عن السودان. كان لابد أن يكون تنفيذ هذه السياسة في يد إنسان يستطيع القتال إذا ما تطلب الأمر ذلك، لكن من ذا الذي يستطيع تكريس جهوده كلها لتحويل مهمته إلى مهمة سلام بدلا من الحرب، لابد أن الجنرال غوردون كان باردا، رابط الجاش، وصافي الذهن، ومتماسكا، ودقيقا في رسم خططه بعد دراسة واعية للحقائق التي يتعين عليه التعامل معها، وثابتا في تنفيذ هذه الخطط عندما يعقد العزم على ذلك. كان لابد أن الجنرال غوردون كان على دراية كبيرة بالحياة الإنجليزية العامة حتى يمكنه تصور تحذير دقيق إلى حد ما للدوافع التي كان من المرجح لها تحريك و ارشاد الحكومة البريطانية، حتى وإن لم يكن قد تم نقل راي محدد إليه. لم يكن الجنرال غوردون موهوبا أو مالكا لصفة من هذه الصفات، كان الجنرال غوردون ميالا بفطرته إلى الاعتداء على الغير، كان من النوع المندفع، الطائش، متقلب المزاج. يقولون في الأمثال:"هذا الذي يتعين أن يحكم الآخرين، يتعين عليه أن يكون سيدا لنفسه في المقام الأول". كان انعدام السيطرة على النفس سمة رئيسة في شخصية الجنرال غوردون الغريبة. كان عرضة للانفعالات المتهورة وغير المنطقية. كان الرجل يكون آراء سريعة بدون تكبر، ونادرا ما كان يثبت على رأي واحد فترة طويلة. يزاد على ذلك،