الصفحة 142 من 1372

مع بداية الحرب التي شنها محمد على على الباب العالي، جرى استدعاء الأدميرال، قائد الأسطول التركي في المياه المصرية إلى إستنبول؛ كان ذلك القائد شجاعا وكفا. والأرجح أنه قدر مكاسبه بأكثر من بقائه مواليا للسلطان، ومن ثم قرر ربط مصيره بمصير محمد على، وقد ساعد قراره مساعدة كبيرة في انتصار مصر في نهاية المطاف. وبعد انتهاء الحرب، جرى استدعاء الأدميرال مرة ثانية إلى إستنبول. ولو أطاع الأمر في تلك المرة لكان ذلك موتا محققا له، وعليه بقى الأدميرال في القاهرة، وظل يتمتع بحماية محمد على طوال أربع سنوات، وكان فعلا أهلا لهذه الحماية. وبانتهاء هذه الفترة - وسواء أراد محمد على التزلف للسلطان، الذي واصل ضغطه مطالبا بالأدميرال، أم أنه لسبب أو لآخر أصبح ينفر من الأدميرال - قرر محمد على سحب هذه الحماية. أوفد محمد على واحدا من عملائه الثقات لزيارة الأدميرال. وجرى بينهما حوار قصير انتهى نهاية درامية مستثيرة للشفقة والعواطف. قال العميل بعد التحية الشرقية المعتادة"الحياة، أيها الأدميرال، غير مضمونة، ونحن جميعا يجب أن تكون مستعدين لملاقاة الموت في أية لحظة". فهم الأدميرال على الفور ذلك التلميح، وأدرك معني ذلك الكلام المميت. لقد علمته أصول دينه عدم رفض تصاريف القدر. كان ذلك الأدميرال، شأنه شأن كثير من الفلاسفة الرواقيين في روما القديمة، قد ادرك في بعض الأحيان، أن اغتيال النفس (الانتحار على الرغم من مرارته، هو في نهاية المطاف، ملاذ أكيد من الاستبداد والظلم الدنيوي، ولم يطلب الرجل سوى السماح له بأداء الصلاة، وعندما انتهى من الصلاة شرب بلا شكوى أو استنكار فنجان القهوة المسمة الذي قدم له. وأعلن في اليوم التالى أن الرجل توفي فجأة على إثر سكتة مخية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت