الصفحة 334 من 1372

وهذا هو التاريخ، يضرب الكثير من الأمثلة، على المؤسسات الحرة التي أنشئت في ظل نفوذ عقلية واحدة مهيمنة. كان الإمبراطوران أغسطس ونابليون بمثابة المنفذين الكبيرين في السياسة التي تهدف إلى نقل السلطة من الشعب إلى الحاكم. كل الباحثين في التاريخ يعرفون الإجراءات التي لجأ إليها هذا الرجلان. ولكني على حد معرفتي بالتاريخ أرى أن التجربة التي أقدم عليها إسماعيل باشا كانت جديدة الطابع إلى حد ما. هذه التجربة لم تكن حالة، يتحتم، عن طريق الربط بين القوة والدبلوماسية، توجيهها كيما تحقق رغبات حاكم مستبد. وإنما كان الحال على العكس من ذلك، نظرا لأن الخديوى كان بالفعل حاكما مطلقا. لم يكن هناك في الجسم السياسي المصري أي أثر من آثار الفكر المستقل أو العمل المستقل. كان إسماعيل باشا يحاول الإشارة إلى المؤسسات الحرة بصورة مؤقتة، من منطلق أن هذه المؤسسات هي الأداة التي يمكن له من خلالها استرجاع سلطته الشخصية، التي تهددها التدخل الأجنبي، كان منظرا عجيبا بحق أن ترى إسماعيل باشا، الذي كان تجسيدا حيا للحكم الإقطاعي في أشد صوره تطرفا، وهو يتصرف كمالو كان حاكما مبالغا في دستوريته، والذي لا يمكن أن يضع نفسه في موضع معارضة الإرادة الوطنية. كان المنظر لا يزال غريبا عندما نرى الرجل نفسه، الذي احتج مؤخرا بأنه غير قادر على دفع ديونه، يسارع مستديرا إلى الخلف، ليرفض باحتقار المقترحات التي قدمت له من قبل ممنلى دائنيه، والتي تقضي بأن يعلن إفلاسه. لكن ربما أهم نقطة في هذه الكوميديا الغريبة، عندما جرى تمثيل الفلاحين المصريين التعساء الذين كانوا يننون ويتوجعون تحت حكم إسماعيل باشا، والذين كانوا يطالبون بإعفائهم من الضرائب، دون أن يلقوا بالا لتأثير ذلك الإعفاء على المصالح الأخرى، على أنهم يفضلون تحمل كل التضحيات على فضيحة الإفلاس الوطني. وهنا نستطيع أن نؤكد وبثقة مطلقة أن جماهير الشعب المصرى لم تكن تفهم شيئا مما يدور في ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت