هذا التشكيل ووجهه هذا التوجيه، وبقي الأمر في يده زهاء خمسة وعشرين عاما، هو کرومر الذي تمسك بأساسيات تنحصر في جملة واحدة: هي أن تبقى لإنجلترا هيمنة على شئون مصر الداخلية والخارجية، وأن ينتقل إليها كل ما يدعيه الغير من حقوق في مصر وعلى مصر.
لقد كان كرومر على مدى ربع قرن، يتكلم كثيرا كلام رجل لا يخفي شيئا، ولو أنه لم يقل شيئا: يرى أن ما قطعته حكومة بلاده على نفسها من وعود يجب أن تفي به، ولكن لا بد من الاطمئنان قبل ذلك إلى أن مصر لن تعود إلى الحالة التي أخرجها الاحتلال منها. يرى أن الحكم النيابي لا ترضى بلاده عنه بديلا، ولكن لا يمكن أن يتم هذا بين يوم وليلة، ولابد أن يمضي وقت قبل أن يصلح المصريون له. يرى أن نظام الامتيازات يعرقل تقدم مصر، ولكن مصر لا تستغني عن الأجانب، فلابد من إنشاء نظام يضمن للأجانب حقوقهم السياسية، يرى أن من حق مصر أن يكون لها حكومة قومية مستقلة، ولكن مركزها الجغرافي والتاريخي يقتضى حرمانها من هذا الحق، وليس لمصر أن تشكو من أنها ليست كسائر البلاد، والعاقل من أدرك أن مصلحته تقتضي أن يعترف بالأمر الواقع ...
لقد كان ثمة اعتقاد أن كرومر جاء إلى مصر في البداية لترتيب مسألة انسحاب الجيش البريطاني من مصر بعد سحق الثورة وتثبيت سلطة الخديوي، لكن الأمور لم تكن كذلك، وكان لابد من إيجاد الذرائع التي تستطيع بريطانيا، بالاستناد إليها، أن تبقى في مصر، وكان من بينها اندلاع الثورة المهدية في السودان ضد الحكم المصري - التركي، فكان ذلك من بين ذرائع الإنجليز لعدم وفائهم بتعهداتهم بالانسحاب من مصر، كما كان علي کرومر معالجة الأزمة المالية، وهو ما اقتضى التدخل في شئون الإدارة الداخلية لمصر، وبالتالي الهيمنة الكاملة على شئون الحكم والإدارة في