المقاومة، تمثلت إشارة الولاء الوحيدة الصادرة عن القوات الموجودة في حامية القاهرة، في أن الكتيبة المتمركزة في العباسية، التي تبعد حوالي ميلين عن المدينة، رفضت الانضمام إلى المتمردين، لكن أقصى ما استطاع ضباطهم الأتراك فعله، هو الإبقاء على هذه القوات في مكانها. هذا يعني أن هذه القوات كان لا يمكن أن تحمي الخديوي من الكتيبتين المتردنين. تحركت الكتيبة المتمركزة في طره إلى القاهرة، بناء على ترتيبات مسبقة، وأصرت على مواصلة سيرها، على الرغم من إرسال مندوبين لجعل الكتيبة تحيد عن رأيها وتقدمها بعد طرد الوزير الكريه.
كانت المقاومة مستحيلة في ظل هذه الظروف. أرسل الخديوي، بعد شيء من التردد، إلى العقيدين ليبلغهما أن عثمان باشا رفقى قد أقيل وغين مكانه محمود سامي باشا البارودي (1) وزيرا للحربية. استقبل هذا الإعلان بالهتافات. وانصرفت القوات. وأعيد النظام فترة من الوقت. سمح للعقيدين بالبقاء في قيادة كتيبتيهما. والتقيا الخديوي، وسألاه الصفح عن سوء تصرفهما، وأكدا عدم إخلالهما بولائهما وإخلاصهما لشخصه.
كان ذلك هو التمرد الثاني للجيش المصري، وجاء على صورة التمرد الأول نفسها، فقد نشأ هذا التمرد الثاني عن المظالم الحقيقية التي لم يجر الانتباه إليها، وتمثلت المرحلة الثانية في حدوث التمرد نفسه. وتمثلت النتيجة النهائية في الخضوع الكامل لإرادة المتمردين. لقد أدير الأمر كله إدارة سيئة، ويبدو أن الخديوي بعد مسئولا إلى حد كبير عن هذا التناول السيء لهذا الأمر. وكان هناك طريقان أمام الخديوي في ضوء ما حدث. أولهما، محاولة إبعاد العقيدين عن قواتهما عن طريق الخداع ثم معاقبتهما دون أن
(1) البارودي: هو لقب العائلة. وكان يدعى في معظم الأحيان محمود باشا سامي