الصفحة 816 من 1372

فالشعب الذي نادى بأعلى صوته مطالبا بالسيطرة على الباشوات، كان هو الشعب نفسه الذي عارض بشده انتهاج الطريقة الوحيدة التي يمكن بها السيطرة على الباشوات سيطرة فاعلة. كان الشعب البريطاني يود س حب القوات البريطانية، ويؤمن في الوقت نفسه، كل تلك المزايا التي لا يمكن تحقيقها إلا عن طريق تواجده المستمر في البلاد. لم يفتر الساسة الحزبيون عن التعبير عن انتقادهم الشديد لكثرة عدد الأوروبيين العاملين في مصر كانت تلك صيحة جريئة في ذلك الوقت؛ نظرا لأن الجمهور البريطاني كان يقدر مدى الاحتياج إلى الوكالة الأوروبية في حالة إذا ما تقرر انتهاج سياسة إصلاحية. يزاد على ذلك أن محاولة تحقيق هدفين، هما أصلا متضاربان مع بعضهما البعض، هي التي جعلت سياسة الحكومة البريطانية في حقيقة الأمر، تبدو مترددة و غير واثقة بنفسها.

کشف تلك التردد عن نفسه عقب الاحتلال مباشرة في المعاملة التي لقيها عرابي هو وزعماء الثورة الآخرون. والذي لا شك فيه، أن عرابي باعتباره أحد رعايا الخديوي، كان منهما بالخيانة والتمرد، كما أنه بحكم كونه ضابطا في الجيش يعد منهما أيضا بالتمرد. ولو جرت محاكمة عرابي أمام محكمة عسكرية، وأعدم رميا بالرصاص، بعد إلقاء القبض عليه، فذلك كان يمكن أن يعني أن العدالة أخذت مجراها. على الجانب الآخر، كان بعض الإنجليز ينظرون إلى عرابي باعتباره بطلا، ومن وجهة نظر سياسية محضة، فإن مسألة رفعه إلى مراتب الشهداء كان يثور من حولها جدل كبير. الأكثر من ذلك، أنه ليس من السهل - في ضوء ارتباط الأمر بالأخلاق العامة - تحديد المرحلة التي تبدأ أو تنتهي عندها مشروعية الثورة، ومن الصعب أيضا تحديد المرحلة التي يخرج عندها من يقوض السلام ويخل بالأمن، من دائرة المتظاهر العام المعادي للمجتمع، لكي يصبح زعيما في حركة سياسية نشأت لبلوغ أهداف تحظى، في أضعف الأحوال بقدر معين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت