إن قول هوراشيو المأثور: ما ترفض حمله الكواهل، هو غاية ما يمكن أن تتحمله (*) . يصدق على السياسة مثلما يصدق على الشعر. كان ما ينبغي أن تفعله الحكومة المصرية، هو دراسة ما إذا كانت قوتها تتناسب مع المهمة التي اضطلعت بها. كانت المسألة الرئيسية التي يتعين البت فيها تتمثل فيما إذا كان يتعين على الحكومة المصرية، في الوقت الراهن، وأيا كانت الظروف، التخلي عن الأجزاء البعيدة من السودان وتلجأ إلى الموقف الدفاعي في الخرطوم، أم أنها يتحتم عليها تجريد حملة على كردفان Kordofan، التي أصبحت المركز الرئيسى للتمرد، لتوجيه ضربة ساحقة إلى قوة المهدي الصاعدة، أدركت الحكومة البريطانية في الحال أهمية قرار من هذا القبيل، وبخاصة العقيد ستيوارت، الذي بوسعة الحديث بصورة مؤكدة وموثقة عن شئون السودان. وفي اليوم السودان. وفي اليوم السابع والعشرين من شهر ديسمبر من العام 1882 الميلادي، أو بالأحرى، في الوقت الذي كانت فيه الأبيض El Obeid، عاصمة كردفان لا تزال محاصرة، وكان عبد القادر باشا، الذي كان حاكما عاما للسودان في ذلك الوقت، يعد حملة لفك ذلك الحصار، حينئذ كتب العقيد ستيوارت يقول:"أرجو أن تسمحوا لي بتوضيح مدى حتمية أهمية نجاح الحملة الحالية، ذلك أن فشل الحملة يعني خسارة كل شيء، ليس في السودان وحسب، وإنما في مديريات أخرى كثيرة. هذه الحقيقة لا يمكن توصيلها بمثل هذه القوة إلى الحكومة المصرية. كان العقيد ستيوارت في ذلك الوقت يحسب أن عبد القادر باشا لديه كل الأسباب التي تجعله واثقا من النجاح". وبعد فترة وجيزة وبالتحديد في اليوم التاسع من شهر يناير)، وبعد أن خبر العقيد ستيوارت القوات المصرية بصورة أكبر،
(*) ورد هذا القول المأثور باللغة اللاتينية، وهو من ترجمة الأستاذ الدكتور علي عبد