دخلتُ على جدّي وفي يدي ورقة نجاحي إلى الصف الرابع الابتدائي، قبّلتُ يده، فقبّلني، سلّمته الورقة، وضع نظّارتَهُ على عينيه .. قرأَ .. تأمَّلَ .. ثم ابتسمَ ابتسامةً مُشْرِقةً تُظْهِرُ الفرحَ الغامر الذي بَدا على وجهه؛ وقال لي بلهجته الوقورة: الآن أصبحتَ رجلًا ... الآنَ بدأتَ تمشي في دروب العلم الحقيقيّ يا ولدي ...
فرحتُ بعبارته كثيرًا، أردتُ تذكيره من جديد بالكتاب، الذي يضعه على رفّ خاصّ في غرفته، والذي وعدني أن أقرأ منه عندما أتقدّم في التعليم، ابتسم، وقال لي:
-هذا من حقّك، وأنا عند وعدي ولكن؟!
قلت له:
-يا جدّي أرحني من (لكنْ) هذه! ... انظرْ إلى نتيجتي الرائعة، ألا أستحقّ أن تكرمني عليها؟! إنّ أكبر هدية تقدمها لي هي أن أقرأ في كتابكَ يا جدّي ...
-ولماذا تريد القراءة في هذا الكتاب بالذات مع العلم أنّ بين يديك كتب كثيرة مُنوّعة؟
-أتريد الحقّ؟
-ومتى أردتُ غيره يا ولدي؟!
-لأنّي كلّما وجدْتُكَ تقرأ منه شيئًا رأيتُ عليكَ علامات السرور والراحة، وأنا أريد أن أكسب شيئًا من الراحة والسرور، وأهرب قليلًا من هموم هذه الدنيا ...
ضحك جدّي كثيرًا على عبارة «هموم هذه الدنيا» ، ثمّ رأيته يمسح وجهه بيده اليمنى، ويفكّر ... يفكّر طويلًا ...