الصفحة 29 من 35

لم يكن من عادتي أن أفتح خِزانةَ جدّي إلّا حينما يَطْلُبُ منّي هو ذلك، وبحضوره، ويكون ذلك بحضوره. ولكنّني هذه المرّة أفتحها بدافعٍ خفيٍّ لا أدري ما هو .. أهوَ الفضول؟ أهوَ النداء الخفيّ؟ أهو شيء آخر؟؟؟ المهمّ أنّني أقدمْتُ على ذلك لأوّل مرّة، بعد أن صار عمري يزيد على العشرين سنة .. وأستطيع أن أقول إنّ هذه السنين كلّها قد انقضت بصحبتِي له ... بل بمودّةٍ صافية غلب عليها التسامح منه، وغلب الفضول عليّ معه. المهمّ أنّني قد فتحتُ خِزانَتَهُ في غيابه هذه المرّة، فرأيتُ حقيبةً صغيرةً من الجلد بنّيّةَ اللون، يبدو جلدُها عتيقًا، ولها خيط جلديّ غليظ طويل بطول ذراعَينِ أو أكثر، ملفوف عليها بإحكام .. حاولْتُ أن أفتحَها، بل هممْتُ بفتحِها، ولكنّني أرجعْتُها إلى مكانها، خشيةَ أن ينزعجَ جدي من فِعلتي هذه .. خصوصًا أنّه لم يكن يخفي عنّي شيئًا من خصوصيّاتِهِ. ولكنّني قرّرْتُ أن أسأله عمّا فيها، لعلّه يخبرني خبرها، ولماذا يحتفظ بها وهي عتيقة تكاد لا تساوي شيئًا.

وفي اليوم التالي تعمّدْتُ أن أصطنع العفويّة والبراءة، قفزْتُ إلى الخزانةِ عندما طلب منّي جدّي غرضًا منها، فأخرجْتُ تلك الحقيبة، مع أشياء أخرى صغيرة، ونظرتُ إليه بطرف عيني، لعلّي أرى عنده بعض الفضول لإخراجها، فلم أرَها قد لفتتْ له بالًا، أمسكْتُها بيد، وأمسكتُ الغرض الذي طلبه منّي باليد الأخرى، فلم يُثِرْ ذلك فيه أيّ انتباه .. عندها صار لا بدّ من السؤال عنها:

-جدّي .. ما هذه؟

-هذه؟ هذه يا جدّي قصّتُها قصّة ...

ثمّ التفتَ إليّ يريد الغرض الذي طلبه قبل أن أنسيه إيّاه ...

أعطيته ما طلب، وبعد مدّة وجيزة سألتُهُ ثانية:

-ما قصّة هذه الحقيبة الصغيرة العتيقة؟

-هذا الحِرْزُ كان رفيقي إلى البيت العتيق!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت