الصفحة 5 من 35

كرسيّ جدّي مرغوب فيه من الصغار، لا أدري لماذا، مرغوب فيه من كلّ أحفاده، وأسباطه .. يأتون إلى بيت جدّي، وأوّل ما يخطر لهم هو الجلوس على ذاك الكرسيّ العتيق. مسند هذا الكرسيّ الأيمن مكسور، وقد ربطه جدّي بقطعة قماش، قال له عمّي الكبيرُ مرّة: «اسمح لي يا أبي أن آخذ هذا الكرسيّ إلى النجّار، ليصنع له مسندًا جديدًا، ويدهنه، ليعود جديدًا» . ثار جدّي، واحمرّ وجهه، ولكنّه لم يقل لعمّي سوى: لا يا بني، هو يعجبني هكذا، هذا الكرسيّ سليم، اجلسْ عليه تَجِدْ كم هو متين!

رائحة الخشب في كرسيّ جدّي لا تشبه أيّ رائحة، ومع ذلك نحبّها، ربّما لأنّها رائحة كرسي جدّنا. وقاعدته المجدولة من القش العتيق تظهر عليها التجاعيد كما تظهر على جدّي، وعندما يرتمي أحدنا - نحن الأولاد - بقوّة فوق الكرسي يتناثر من تحته غبار ممزوج بقطع صغيرة من القشّ، ومع ذلك لا ينتهي منه .. كأنّ هذا القشّ لا يريد أن ينتهي مادام جدّي حيًّا.

نحن الصغار نحبّه لأنّ جدّي عندما يعتليه، يعني ذلك أنّ مزاجَهُ معتدلٌ وأنّه سيقصّ علينا واحدة من قصصه الكثيرة المحبّبّة، لقد اعتاد جدّي ألّا يقصّ علينا حكاياته من على مقعد آخر، كأنّ القصص مخبّأة في هذا الكرسي، وكأنّ جدّي يقرؤها من رائحته الساحرة.

أعمامي وعمّاتي لا يرغبون في الكرسي، ولا يعيرونه أيّ انتباه، هم يفرحون بنا عندما نتحلّق حول جدّي وآذاننا مُصْغية لما سيقصّ علينا، يفرحون لصمتنا وهدوئنا، بعدما نكون قد هجرنا الكُرَةَ وصرنا صامتين كفينا الكبار - أقصد عمّاتنا وأعمامنا - خيرنا وشرّنا. وأمّا نحن فنفرح للحكايات التي هي أجمل من كلّ برامج التلفزة الملوّنة. يبدأ جدّي حكاياته بصوت خافت، ولكنه واضح النبرات، البعيدون منّا عن الكرسيّ يرجونه:

- «يا جدّي ارفع صوتك قليلًا .. قليلًا يا جدّو .. » .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت