جدّي - غالبًا - لا يسهر، تراه يخلو إلى نفسه قبل النوم وكأنّه في حالة مناجاة طويلة جدًّا، ما تلبث أن تتّصل بالنوم، إنّه يذهب باتّزان ووقار إلى فراشه، وشيئًا فشيئًا يُغمض عينيه، حتّى إذا أَطْبَقَ جَفْنَيهِ تَحْسَبُ أنّه قد غطّ في نوم عميق، ولكنْ أيّ حركة غير اعتيادية، أو أيّ رائحة لمخلوق تدخل غرفتَهُ توقظه .. وكأنّه لم يدخل في ساحة النوم بعد ..
وأنا أدرس الثانوية هذا العام أشعر برغبة كبيرة في أن أكون إلى جانب جدّي .. إنّني أرى في نَفَسِهِ بَرَكة .. وفي دُعائِهِ لي ولأولاده وأحفادِهِ بَرَكة .. وفي قراءَتِه للقرآن الكريم آناء الليل وأطراف النهار بَرَكة ...
منذُ أن كنتُ طفلًا صغيرًا وأنا أحبّ النوم قرب جدّي، في الصيف لا يجد حرجًا، بل أراه مرحّبًا .. ولذلك أقضي أكثر أيام الصيف في غرفته .. أمّا في الشتاء، ولا سيّما الأيام الباردة منه فإنّني كنتُ أحسّ برغبة فاترة منه، ولم أفهم سرّ فتور رغبته إلّا عندما صرْتُ في هذا العمر .. إنّه يخشى عليّ من البرد، ويخاف أن يمنعه بعضُ نومه العميق من الانتباه إليّ خَشيةَ تسلّل البرد إلى جسمي عندما ينكشف اللِّحافُ عن بَدَني ..
ويكاد ينتهي نوم جدّي مع تباشير الفجر، وعندما أحسّ باستيقاظه في بعض الأحيان، كنتُ أرقبه وهو يقوم من فراشه بهدوء .. يطوي لحافه، ويرتّب سريره، وكأنّه يستعدّ ليومٍ جديد .. ثمّ يجلس إلى تأمّلاته .. وكم كنتُ أتمنّى أن أدخل ملكوت ذلك التأمّل لعلّي أقبس منه بعض النور .. كنتُ أفضّل أن لا أقترب منه كثيرًا وهو في تأمّلاته، خشية أن أقطع عليه طمأنينته ومتعته، ولكنّه عندما عرفني أكثر ووثق من مودّتي الصافية له وهدوئي ورغبتي في معرفة المزيد عنه، لم يمانع أن أقتربَ منه أكثر، وفي الوقت نفسه ما كان ليوقظني فجرًا عندما يراني مستغرقًا في النوم، لأنّه كثيرًا ما يراني أستيقظ من تلقاء نفسي، وأقيم الصلاة، ثم أعود إلى النوم.