كانت أجمل الأيام تلك التي سمح لي جدّي فيها أن أعيش معه في غرفته، لأحضّر لامتحان الثانوية، نصحني بأن لا أُكثِر من السهر، وأن أصحو باكرًا لأبدأ الدّراسة، ولكنّه لم يجبرْني على ذلك ..
في الأيّام الأولى كنتُ أسهر، ولكنْ كنتُ أشعر بحرجٍ شديد بيني وبين نفسي، جدّي نائم وأنا أسهر تحت مصباح الغرفة بإضاءته القوية؟؟
ثم وبالتدريج صرْتُ أشعر بالنعاس عندما يشعر جدّي به، وصرْتُ أصحو قبل أن يصحوَ، لعلّي أهيّءُ له بعضَ ما يحتاجه للوضوء ثمّ الصلاة.
كانت أكبر متعة أحصل عليها عندما أستمعُ إلى جدّي وهو يتلو القرآن الكريم بعد صلاة الفجر .. يا الله ما كان أحلى صوته الذي يمتزج مع المعاني الخالدة مع الموسيقى الساحرة لكلمات القرآن وعباراته!!! والحقّ يُقال أنّ جدّي لم يكن يتعمّد أن يقرأ القرآن وأنا معه، بل كانت جلسته مع هذا الكتاب الكريم يوميّة، فهو يقرأ ما يشاء الله له أن يقرأ، ربّما صفحة وبعض صفحة، وربّما تتجاوز القراءة عشرين صفحة. وقلّما حصل ذلك.
لم أكن أقاطع جدّي عندما أستمع إليه وهو يقرأ القرآن، بل كنتُ أفكّر في بعض الأسئلة عن ما يقرأ. وكنتُ أنتظر إلى أن يحين موعد السؤال .. أنا أعرف تمامًا متى يمكن أن أسأل جدّي ومتى لا يمكن أن أسأله. لقد فهمتُهُ وخبرتُهُ، ولذلك لا أريد أن يشعر بأيّ لون من ألوان الإزعاج منّي .. وعندما كنتُ أسأله كانت إجابته متنوّعة على حسب الحال. فأحيانًا يقول لي: أمهلني يا ولدي .. وأمهله، وربّما امتدّ صبري له أسبوعًا أو أكثر .. وربّما أجابني بِسَعَةٍ واستفاضة .. وربّما كانت إجابته تأتي سريعة ولكن شافية أو شبه شافية. وعلى العموم لم يكن جدّي لِيَتَحَرّجَ من الاعتذار عن الإجابة إنْ لم يكنْ له سعةُ اطّلاع عليها.
كنتُ في بعض الأحيان أسعى إلى قراءة بعض الكتب كنوعٍ من الإجابة على سؤال لم يُجبني عليه جدّي .. كان يبتسم ويقول لي: بوركْتَ .. وفي كثير من الأحيان يطلب منّي الاستزادة في القراءة، أو يحيلني إلى كتاب آخر لأنّه لم يجد في