الصفحة 27 من 35

الكتاب الذي اقتبسْتُ منه ما يُشبعُ نهمَ المطّلع. وفي أحيان كثيرة كان يطلب منّي أن أقرأ له صفحات من كتاب أعجبه عنوانه.

أمّا أحلى ساعات الاستيقاظ فكانت في الصيف، وذلك حينما كنّا نخرج معًا إلى باحةِ الدار، بعد أن نكون قد توضّأْنا، ثمّ نصلّي الصبح جماعةً .. صلاةً جهريّةً توقظُ فيَّ مشاعرَ خبيئةً لا أعرف كنهها .. لا أعرف منها سوى ما توحيه إليَّ من عظمة الخالق وتجلّيه على عبادِهِ في ساعات مطالع الفجر.

في بعض الأحيان القليلة كان جدّي يطلب منّي أن أصلّي به إمامًا، ويصلّي هو مقتديًا بي .. في البداية كنتُ أجيبه وأنا في خجل واضح، وأقول له: يا جدّي .. لا يجوز .. فيقول لي: بل يجوز .. اليوم أنا في وعكةٍ صحّيّة، وأخاف أن أنسى بعض ما أقرأ في الصلاة، وأنتَ قارئٌ بارعٌ وربّما تفوقني في الحفظ والترتيل. فأقيمُ الصلاةَ، ثمّ أبدأ، فأقرأ ما تيسّر لي من قِصار السور .. وعندما أنتهي كان يُعاتبني جدّي قائلًا: لِمَ هذا الاختصار؟ فأقول: خشيتُ عليكَ يا جدّي أن أرهقَك .. فيقول: الصلاةُ لا تُرهقُ يا ولدي ..

في إحدى المرّات قُلْتُ لجدّي قبل أن نبدأ بالصلاة: أحبُّ اليوم أن أقرأَ سورةَ المؤمنين كاملةً في الركعة الأولى، وسورة تبارك في الركعة الثانية. قال لي: على بركةِ الله .. ولم أكدْ أبدأ في إقامة الصلاة حتى سمعْتُ حركةً متسارعة في أرض الدار، إنّه أبي وبعض أعمامي، وقد توضّؤوا وهمّوا بالصلاةِ معنا .. حاولتُ الاعتذار عن الإمامةِ بحركةٍ مفهومة، ولكنّ أحد أعمامي لوَّحَ لي بيده أن ابدأ .. وبدأْتُ وقد تملّكني شعور نسيتُ فيه الدار وَمَنْ معي .. لكأنّني صرتُ في ملكوتِ الله العليّ العظيم .. وشعرتُ أنّ صوتي لا يصدر منّي .. بل يصدر من ملائكةٍ تحفُّني من كلِّ جهة .. وتنطق معي ما أقرأ .. ثمّ وجدْتُ نفسي في الركعة الثانية في دعاء القنوت أدعو الله تعالى من كلّ قلبي .. وطال بي الدُّعاء .. ولم أنهِهِ إلى أن سمعْتُ شهقاتٍ ممّن هم خلفي ..

قال لي جدّي: أراكَ سبقْتَني في كلّ شيء .. وها أنتَ ذا ....

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت