الصفحة 18 من 35

لدى جدّي عباءة واحدة يلبسها غالبًا عندما يخرج من البيت أو عندما يأتيه ضيوف، أو في أيّام الأعياد والجُمَع.

وَرُغْمَ أنّ جدّي لا يخرج من البيت إلّا نادرًا، ولكنّه يكاد لا يمرّ أسبوع دون أن نراه قد جلس وهو يضع على كتفيه عباءته، وكأنّما هي جزء من مكوّنات حياته. أمّا مكان تعليقها، فهو يعلّقها في خزانة خشبيّة عتيقة، ما تزال تحتفظ بمتانتها وبهائها .. وهي ذات مفتاح كبير، يُصدِر صوتًا خاصًّا عند تدويره، أمّا لونها فهو بنّيّ مع خطوط وعروق تُظهِر أنّها من الخشب الطبيعي. هذه الخزانة موضوعة في صدر الغرفة الواسعة، غرفة جدّي. وكثيرًا ما رغبْتُ في فتحها، فهي تحتوي على نفائسَ مُدْهِشَةٍ من ذاك الزمان الذي سبق زمانَ جدّي أو عاش فيه طفولته وشبابه.

وأجمل ما نرى من ساعات جدّي وعباءته هو في يوم أحد أيّام الجمعة، عندما يريد الخروج إلى الصلاة، فإنه يكون قد اغتسل وهندم لحيته وشعره، ورمى عباءته على كتفيه، ثم وضع عِمامته، وأمسكَ بعصاه، ثم خرج، ونحن من ورائه، أو مَنْ يرغب من أحفاده، وكان غالبًا ما يذهب إلى الجامع سيرًا على قدميه، ونمشي نحن وراءه، وندخل جميعًا الجامعَ دون أن يسبقنا إلّا قليلٌ من المصلّين، وغالبًا لا يزيدون على العشرة.

يجلس جدّي في الصفّ الأوّل، ويجلس أكبرنا من أحفاده إلى جانبه، وكلّنا أمل في أن نفتح أيديَنا مع جدّي عندما يبدأ بدعائه بصوت خافت، ونحن نقول (آمين) ، ولكن دون أن نسمع منه شيئًا، سوى بعض الكلمات التي ألفناها (يا الله .. اللّهمّ .. ربّي ... ) ، ومع ذلك كنّا نفرحُ بقربنا من جدّي والالتصاق به، لِنُشعِرَهُ أنّنا معه في دعائه، ونحن مغتبطون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت