لم يكن جدّي يحرص كثيرًا على اصطحاب أولاده معه إلى الجامع، يبدو لأنّه ملّ منهم، فهم لا يخرجون إلّا متأخّرين، وفي أحيانٍ كثيرة لا يستمعون إلّا إلى أواخر الخطبة، وكنتُ أتمنّى أن نذهب مع أبي، ولكن كلّما قلتُ لأبي: نحن ذاهبون، كان يردّ عليّ ببرود واضح: وفّقكم الله! سأتبعكم بعد قليل. فأقف قليلًا، ثمّ أقول: أتحبّ أن أنتظركَ يا أبي؟ فيقول: لا .. اذهب مع جدّكَ، وسألقاكم في الجامع.
قلتُ لجدّي ذات يوم:
-ألَا ما بالُ هذه العباءة تقيّدُكَ في بعض الأوقات؟
نظر جدّي إليّ مليًّا، ثمّ ابتسم وقال:
-بل هي تحرّرني يا ولدي .. تعيد إليّ توازني .. تعيد إليّ ثقتي بنفسي .. ومن دونها أشعر أنّ شيئًا ما ينقصني ..
ثمّ أخذته نشوة من الاستطراد في الحديث معي، فتابع قائلًا:
-هذه العباءةُ - يا ولدي - سِتْري وسَنَدي .. وعندما تنزل عن كتفي أحسّ بأنّ شيئًا ما ينقصني، ثمّ أتذكّرها، فأعتذرُ إليها، ثمّ أرتديها .. هذه العباءة صديقة عمري، ومن قبلُ صديقة أبي وجدّي .. نعم، جدّي .. هذه العباءة كانت لجدّي منذ زمن بعيد .. انظر إلى قماشها، إنّه متين، إنّه من صنع الأيدي الحنونة التي كانت تقضي أيّامًا في صناعة قطعة صغيرة من النسيج ..
ثمّ سألني:
-أتدري ما هو عُمْر صحبتنا معًا؟
وطبعًا لم أُجِبْ، لأنّني أريد من جدّي أن يستمرّ في حديثه الهادئ الرصين:
-منذ أكثر من أربعين سنة وأنا مع هذه العباءة، منذ مدّة بعيدة ونحن نلتقي معًا كلّ أسبوع مرّة واحدة على الأقلّ، وأريدها كلّ