الصفحة 20 من 35

يوم، ولكن حرصًا عليها من الاهتراء. وقد كانت جدّتُكَ تعتني بها وبي معًا، تنظّفها برفق شديد، وعندما يكون عندي موعد لضيوف، أو لخروج من البيت، كانت تقترب منّي وتضع العباءة على كتفي، ثمّ تشدّها من هذا الطرف وذاك، ثمّ تبتعد قليلًا عنّي وتنظر إلينا معًا - أنا والعباءة - وتقول: «يا سلام! الآنَ أنتَ سيّد الرجال» . كنتُ أبتسم، مخفيًا غبطة عزيزة من هذه العباءة التي تفعل بي فعلها العجيب، رغم أنّني قد سمعتُ هذه العبارة مرّاتٍ كثيرة قبلًا. فعبارات الودّ الصادقة لها أثر محبّب لا يوصف، إذا استقبلها الإنسان بصدق وصفاء.

لم يكن نظر جدّي يحيد عنّي، وعن وجهي خصوصًا، كنتُ أتلقّى حديث جدّي من فمه وعينيه وكلّ حواسّه .. وكنتُ أشرد بعض الشرود، وأنا أحلم بموقف لي مع أحد أحفادي في المستقبل، أحدّثه عن شيء من أشيائي، وكثيرًا ما أتخيّل جدّي عندما كان صغيرًا، ووقفته مع جدّه أو أبيه.

وأتنبّه من جديد لحديث جدّي .. وما أروعه من حديث!

-جدّتُكَ يا ولدي كانت ودودًا .. تحبُّ كلَّ الناس .. كلّ أهل الحارة يتهافتون إليها في الأفراح وفي الأحزان، أيّام السعة وحالات الهموم .. كانت تستمع إليهم .. لا تُجاريهم في الكلام إلّا قليلًا، لأنّها لم تكن تجيد الحديث مطوّلًا .. لم تكن تجيد سوى الدّعاء لهم في وجودهم وفي غيابهم وفي ظُلُمات الليالي .. أو تقديم ما هو في وسعِها تقديمه من طعام وأشياء أخرى .. وأحيانًا كثيرة مالًا وذهبًا .. وتنام وهي ناعمة البال مطمئنّة إلى حُسْنِ ما فعلتْ.

إنّني اليوم وأنا في الصفّ الثامن من دراستي أفهم جدّي على نحو أفضل بكثير ممّا كنتُ أفهمه من قبل، جدّي عذب الحديث، يتكلّم ببطء واضح ليُفهِمَ سامعَهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت