الصفحة 21 من 35

بشكل جيّد، وليس عندَ جدّي أيّ عِيّ في نطق الحروف أو الصوت رغم أنّ عمرَهُ يزيد على الستّين بسنوات.

كم أتذكّر تلك الأيّام عندما كنتُ أختبئ في عباءة جدّي .. كنت في سنّ الخامسة أو أصغر قليلًا، أنتظر وقوفه واضعًا عباءته على كَتِفَيْهِ لأذهبَ وأندسَّ تحتها، كان يحسّ بي، ويسكت، إلى أن أبدأ بحركة زائدة عن الحدّ، فيكشف العباءة ويمدّ يديه، يرفعني إليه ليقبّلني كثيرًا، ثمّ يعيدني ويقول:

-أنتَ البرعم الأجمل من براعمي ..

ثمّ يتحدّث عن صديقته العباءة ويقول:

-ليتكم تفهمون هذه الأشياء .. ليتكم تشعرون بالسعادة نفسها التي أشعر بها .. ولو لأوقات قليلة .. ليتكم تَدَعون هذا «التلفاز» الذي يمتصّ أوقاتكم امتصاصًا لا عهد لنا به، من غير فائدة .. ما أروع الصفاء والتأمّل يا ولدي!!!

ذات مرّة دخلتُ على جدّي، وهجمتُ على خزانته، فتحتُها، إذْ كان المفتاح على بابها، وأخرجْتُ العباءة منها - بوجوده - ووضعتُها على كتفيَّ، ومشيتُ بها .. كدْتُ أتعثّر من طولها، ولكنْ تمالكتُ نفسي، ولففتُ العباءة بإحدى يديّ، ثمّ اقتربتُ من جدّي قليلًا .. وازددتُ قربًا منه حينما رأيته يبتسم ابتسامةً عريضة .. ووقفتُ أمامه على بعد خطوتين أو ثلاث ..

نظر إليّ .. وقال لي:

-بركاتُكَ يا شيخي!!

ثمّ طلب منّي الجلوس أمامه، على أريكةٍ عالية بعض الشيء، وبدأ يتأمّلني كثيرًا:

-أتعرف - يا بُنيّ -؟ لقد أعدْتَني إلى عشرات من السنين مضتْ .. أذكرُ ذلك جيدًا، وأذكر أبي الذي طرح عليّ عباءته، كنتُ قصيرًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت