مثلك، وربّما أقصر منك، وكان يريدني أن أصبح رجلًا على وجهِ السرعة .. حاول بعدها أن يأخذني إلى خيّاط ليخيط لي عباءة تناسب قامتي، ولكنه خجل كثيرًا عندما قال له الخيّاط: هذا «الولد» لا يناسبه أن يلبس عباءة .. إنّه ما يزال طفلًا صغيرًا .. ألا تعلم أيّها الحاجّ أنّ مَنْ يليق بهم أن يلبسوا العباءة هم الذين فوق الثلاثين أو الأربعين من عمرهم؟ عندها خجل أبي، وأمسك بيدي، وأسرعنا في الرجوع إلى البيت، كي لا يقول أحدٌ عنّا شيئًا. أمّا أنا فأقول لك يا حفيدي: هذه العباءة لكَ إن شئتَ من الآنَ، وإن شئتَ عندما تصبحُ رجلًا، بعد سنواتٍ قليلة، ولكن عليكَ أن تحافظ عليها، كما حافظنا عليها أنا وأبي وجدّي .. جدّتُكَ - يا ولدي - كانت تغسلها برفق وحنان .. نعم حنان حقيقي لا تشوبه شائبة .. لأنها تعلم أنّ هذه العباءة حسّاسة، فلا تريد أن ترهقها، ولا تريد أن تتلفها ...
لم أشأ أن أسأل جدّي عن رأيه في أنواع الثياب في هذه الأيّام، ولكنه كان لا يعيب شيئًا ممّا نلبسه إلاّ تلك الألبسة التي كانت تُكتَبُ عليها عبارات بلغات أخرى، فكان له رأي أنّ الثياب يجب أن تكون خالية من أيّ نوعٍ من الكتابة سواءٌ أكانت بلغات أخرى، أو حتّى باللغة العربية، ورأيه هذا مستمدّ من احترام الكلمات التي ستُكتَبُ، والمواقف الشتّى التي يقفُها الإنسان في أوقات يومه، من جلوس ووقوف واضطجاع ودخول الحمّام ... ولكنه ما ذمّ لنا أيّ نوعٍ من أنواع الثياب الحالية، ولا أنكر على أحدٍ ارتداءَ لون محدّد أو زيٍّ معيّن.
أذكر أنّني منذ مدّة قريبة مرضْتُ، واعتنى بي أبي وأمّي كثيرًا، وكنتُ أنام نومًا طويلًا، ثمّ أصحو قليلًا .. وفي إحدى صحواتي قلتُ لهما بصوتٍ عالٍ:
-أريد جدّي .. دعوني أذهب إليه في غرفته ..