الصفحة 30 من 35

-هذه القطعة الجلديّة يمكن أن تكون رفيقة؟

ابتسم وقال:

-هاتِها ...

عندها قلتُ في نفسي: لقد حقّقْتُ غرضي .. إنّه سيكشف لي أمرها ...

ناولته إيّاها، فأخذها، وبدأ يفلّ الخيط الجلديّ بعناية فائقة، ثمّ شمّها، وكأنّه يستعذب رائحتَها، ثمّ أعاد الخيط إلى الحالة التي كان عليها، ووضعَها إلى جانبه، وبدأ بالشرود .. ولم أكن أدري هل هو شرود أم تذكّر أم تأمّل؛ أم هي الثلاثة معًا ... ولاذَ بالصمتِ طويلًا ...

اعتدْتُ أن أُحضّرَ الشايَ لجدّي عندما أرى أنْ لا رغبة عنده للحديث، ولا سيّما الشاي المُنَكّه بالقرنفلِ أو المسك أو الزهورات البلدية ..

عُدْتُ إلى الجلوس إلى جانبه بكلّ هدوء، ومعي الشاي وأدواته.

ابتسمَ، ونظر إلى الكأسين، وسحب نَفَسًا عميقًا، ونظر إليّ نظرةَ رضىً، تُخفي وراءَها ذكرياتٍ مفعمةً بالحنين إلى الماضي ... وقال: هذا الحِرْزُ يا ولدي كان رفيقي في رحلة الحجّ التي كانت منذ ما يقربُ من ربع قرنٍ من الزمان .. كنتُ أضعُ فيه الدراهمَ وجوازَي السَّفَر لي ولجدَّتِكَ، وبعض الوثائق الأخرى المهمّة .. وأعلّقه ما بين كتفي الأيمن والطرف الأيسر من خاصرتي وأنا ألبس ثوب الإحرام .. وكان لا يُضايقني في شيء .. بل كان يُشعِرني بالاطمئنان، وأنا لا أفكّر إلّا في الخالقِ عزَّ وَجَلَّ ..

وشعرتُ أنّ جدّي يُغالِبَ دمعةً تريدُ أن تنزل .. ولكنّهُ لم يستطعْ أن يغلبَها .. فسكتَ .. ثمّ مسحَ عينيه .. وعاد إلى الحديث بصوتِ خفيضٍ: هذا الحِرْزُ يا ولدي حملَ الأمانةَ في سفري القصير، ولذلك أريدُ أن أحمِّلَهُ وأحمِّلَكَ إيّاها في سفري القادم الطويل ..

ارتبْتُ في ما يقصدُ جدّي .. ولم أشأْ أن أسألَهُ عن شيء، لِما وجدْتُ فيه من شوقٍ كان دفينًا فخرج .. وتمنَّيْتُ أن لا أكونَ قد تسببْتُ في ضيقٍ له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت