وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ [النساء: 12] ، وفي قوله تعالى أيضًا: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النساء: 176] .
وهكذا نرى كيف كرَّم الإسلام الأسرة، واهتمَّ بمتانة الروابط والعلاقات الأسرية، من خلال منظومة متكاملة من التشريعات والقواعد، فسبحان مَن هذه شريعتُه!
و لهذا كله؛ حازَتِ الرحم قدرًا كبيرًا من الاهتمام في الإسلام؛ فقد أمر الله - عز وجل - برعايتها وصلتها، وأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم يؤكِّد المرة تلو المرة على وجوب حفظها قولًا وفعلًا؛ لذا وجدنا آيات القرآن تأمر بإيتاء ذي القربى حقه، فيقول تعالى: {فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} [الروم: 38] ، وبيَّن - سبحانه وتعالى - أن ذوي الأرحام أولى بأقاربهم في الميراث، فقال: {وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأنفال: 75] ، ووصف القرآن المؤمنين المتقين بأنهم: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} [الرعد: 21] ، وأوضح سبحانه أن الرحم ذات فضل كبير؛ حيث يتناشد بها الناس، فقال: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} [النساء: 1] ، وحذَّر - عز وجل - من قطيعة الرحم، وجعلها قرينة للإفساد في الأرض: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} [محمد: 22] ، وجاءت السنة كذلك مؤكدة لما جاء في القرآن؛ فجعل صلى الله عليه وسلم صلة الرحم علامة الإيمان، فقال: (( ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلْيَصلْ رحمَه ) ) [1] ، وذكر أنها من الأعمال التي يكافئ الله - عز وجل - عليها بالرزق الواسع؛ ففي الحديث: (( مَن أحبَّ أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثَرِه، فليصل رحمه ) ) [2] ، وأوصى بمراعاة ذوي الأرحام الفقراء؛ فعنه صلى الله عليه وسلم: (( الصدقة
(1) - البخاري: كتاب الأدب، باب إكرام الضيف وخدمته بنفسه (5787) .
(2) البخاري: كتاب الأدب، باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم (5640) ، ومسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها (2557) ، وأحمد (13610) ، وابن حبان (439) .