3 -إن نظام الأسرة ونظام الجماعة يقوم كلاهما بطبيعته على التناصر والتعاون، ومِن واجب الفرد في كل أسرة أن يناصر باقي أفراد الأسرة ويتعاون معهم، وكذلك واجب الفرد في كل جماعة، وتحميل العاقلة أولًا والجماعة ثانيًا نتيجة خطأ الجاني، يحقِّق التعاون والتناصر تحقيقًا تامًّا، بل إنه يجدِّده ويؤكده في كل وقت؛ فكلما وقعت جريمة من جرائم الخطأ اتَّصل الجاني بعاقلته، واتصلت العاقلة بعضها ببعض، وتعاونوا على جمع الدية وإخراجها من أموالهم، ولما كانت جرائم الخطأ تقع كثيرًا، فمعنى ذلك أن الاتصال والتعاون والتناصر بين الأفراد ثم الجماعة، كل أولئك يظل متجددًا مستمرًّا.
4 -إن الحكم بالدية على الجاني وعلى عاقلته، فيه تخفيف عن الجناة ورحمة بهم، وليس فيه غبن وظلم لغيرهم؛ لأن الجاني الذي تحمل عنه العاقلةُ اليوم ديةَ جريمته، ملزَمٌ بأن يتحمل غدًا نصيبًا من الدية المقررة لجريمة غيره من أفراد العاقلة، وما دام كل إنسان معرضًا للخطأ، فسيأتي اليوم الذي يكون فيه ما حمله فرد بعينه عن غيره مساويًا لما تحمله هذا الغير عنه.
وخلاصة الأمر، فإن الأسرة في القرآن الكريم تمثل"الوحدة الأولى للمجتمع، وأولى مؤسساته التي تكون العلاقات فيها في الغالب مباشرة، ويتم داخلها تنشئة الفرد اجتماعيًّا، ويكتسب منها الكثير من معارفه، ومهاراته، وميوله، وعواطفه، واتجاهاته في الحياة، ويجد فيها أمنه وسكنه" [1] .
ولهذا، واستنادًا إلى ما سبق ذكره في ثنايا البحث، فإن نظام الأسرة في الإسلام يرتكز على أسس متينة؛ أبرزها: وحدة الأصل والمنشأ، وفي هذا يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] .
وإذا كان الأمر كذلك، فإنه بات لزامًا على المجتمع لكي يحافظ على كيانه واستقلاليته ومتانة روابطه، أن يُسيّج الأسرة بسياج من القداسة والعناية؛ ليحفظها من كل الهجمات الداخلية والخارجية؛ لأن الأسرة هي"الكهف الوحيد الذي يجمع بين رجل وامرأة، ومن ثمّ، فإن تكوينها دين، والحفاظ عليها إيمان، ومكافحة الأوبئة التي تهددها جهاد، ورعاية"
(1) إبراهيم مصطفى وآخرون: المعجم الوسيط، مج 2، إستانبول: دار الدعوة 1989 م. ج 1، ص 17.