الصفحة 3 من 26

الأسرة في القرآن الكريم

دراسة في أصل التكوين والتفرع

أُنزل القرآن الكريم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والعلاقاتُ الأسريَّة في فوضى وانحلال عظيم، كما بيَّنَتْ كتب التاريخ [1] ، فكان من بين أهداف القرآن السامية: إنقاذُ البشرية من هذا السوء وهذا التفسخ الصارخ؛ لذا لما ندقق النظر في القرآن الكريم نجده يجعل الأسرةَ هي وحدة بناء المجتمع، وأحاطها بسياجٍ كبير من التشريعات والأخلاق التي تضمن لها الجديةَ والنجاح، والاستمرارية في تحقيق الاستقرار للمجتمع بأكمله.

وزيادة على ما سبق، نجد أن القرآن جعل السبيلَ الوحيد لتكوين الأسرة هو الزواج، بالشكل الذي يحفظ الحُرُماتِ والأنسابَ، ويُلبِّي الغرائزَ الطبيعية في إطار من العفَّة والخصوصية، ويحقق لطرفي الزواج ما يبحثان عنه من السكن والاستقرار، وامتنَّ عليهما بإسباغ المودة والرحمة على تلك العلاقةِ الشريفة، وقد نبَّه القرآن على ذلك في قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21] .

وقد قال الإمام الطبري - رحمه الله - في تفسير الآية:"ومن حججه وأدلته على ذلك أيضًا خلقه لأبيكم آدم مِن نَفْسه، زوجةً ليسكن إليها، وذلك أنه خلق حواء من ضلعٍ من أضلاع آدم، خلقها لكم من ضلع من أضلاعه، وجعل بينكم بالمصاهرة والختونة مودةً تتوادُّون بها، وتتواصلون من أجلها، ورحمةً رحمكم بها؛ فعطف بعضكم بذلك على بعض، إن في فعله ذلك لعِبَرًا وعظاتٍٍ لقوم يتذكرون في حجج الله وأدلته، فيعلمون أنه الإله الذي لا يعجزه شيء أراده، ولا يتعذر عليه فعل شيء شاءه" [2] .

ويقول سيد قطب - رحمه الله - حول هذه الآية: والناس يعرفون مشاعرهم تجاه الجنس الآخر، وتشغل أعصابَهم ومشاعرهم تلك الصلةُ بين الجنسين، وتدفع خُطاهم وتحرِّك

(1) - ما كتب أحمد أمين في"فجر الإسلام"وغيره.

(2) - أبو جعفر الطبري، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي (ت 310 هـ) :"جامع البيان عن تأويل آي القرآن"، تحقيق أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1420 هـ - 2000 م، 10/ 175.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت