نشاطَهم تلك المشاعرُ المختلفةُ الأنماطِ والاتجاهات بين الرجل والمرأة، ولكنهم قلَّما يتذكَّرون يد الله التي خلقتْ لهم من أنفسهم أزواجًا، وأودعتْ نفوسَهم هذه العواطفَ والمشاعر، وجعلتْ في تلك الصلة سكنًا للنفس والعصب، وراحةً للجسم والقلب، واستقرارًا للحياة والمعاش، وأُنسًا للأرواح والضمائر، واطمئنانًا للرجل والمرأة على السواء.
والتعبير القرآني اللطيف الرفيق، يصور هذه العلاقة تصويرًا موحيًا، وكأنما يلتقط الصورة من أعماق القلب وأغوار الحس: {لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} ، {وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} ، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} ، فيدركون حكمة الخالق في خَلْق كلٍّ من الجنسين على نحوٍ يجعله موافقًا للآخر، ملبيًا لحاجته الفطرية: نفسية، وعقلية، وجسدية؛ بحيث يجد عنده الراحةَ والطمأنينة والاستقرار، ويجدان في اجتماعهما السكنَ والاكتفاء، والمودة والرحمة؛ لأن تركيبهما النفسي والعصبي والعضوي ملحوظٌ فيه تلبيةُ رغائب كلٍّ منهما في الآخر، وائتلافهما وامتزاجهما في النهاية، لإنشاء حياة جديدة، تتمثل في جيل جديد [1] .
و من هنا، فإنّ واقعنا المعيش يفرض علينا إعادة النظر في تكوين الأسرة المسلمة الحقة، بعد تعرضها لهجمات من شتى الجهات، جعلتها تفقد دورها المنوط بها، ووجدنا أُسَرًا مسلمة، صورة لا حقيقة، تبحث عن فستان لها في حقول المعرفة التغريبية؛ مما جعلها تصاب بانفصام عميق في شخصيتها.
هذا وغيره دفعنا لنبحث عن: كيف نظر القرآن الكريم لهذه الأسرة؟ وكيف نظر لأصول تكوينها وتفرعها؟
هذا ما سيقف عنده البحث من خلال تتبع مفاهيم الأسرة في القرآن وأصول تكوينها وتفرعها؛ لنخلص إلى نظرية قرآنية حول نظام تكون الأسرة [2] .
من خلال تتبعي لكلمة أسرة في قواميس اللغة، وجدتها تدل عمومًا على الحبس، الذي هو مرادف للإمساك، ومن ذلك الأسير، وكانوا يشدُّونه بالقِدِّ، وهو الإسار، فسُمي كلُّ أخيذٍ وإنْ لم يُؤْسرْ: أسيرًا؛ قال الأعشى:
(1) - قطب، سيد:"في ظلال القرآن"، دار الشروق - القاهرة، الطبعة الشرعية الحادية عشرة، 1405 هـ - 1985 م. ص 75.
(2) - سبقت دراسات في هذا المجال مثل: (المرأة ومكانتها في الإسلام، تنظيم الأسرة، قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة .. ) إلا إنّها لم تدرس الموضوع وفق النظرة القرآنية الصرف.