للأسرة تفوق المهمة الأولى؛ فإن قلة الأفراد مع وجود التوجهات السليمة والأخلاق المنضبطة، خيرٌ من كثرة منحرفة، لا تظلِّلها الأبوة، ولا ترعاها الأمومة، فتنشأ نشأة سيئة، فتكون مصدر شقاء وإفساد في المجتمعات، والمهمتان المذكورتان مركوزتان في الفطرة البشرية؛ ولذا لما جرَّبت المذاهب الإلحادية إلغاء كيان الأسرة في القرن الماضي، لم يمضِ إلا زمن يسير حتى تراجعت عن هذا التجاوز المفرط لركائز الفطرة التي أودعها الله سبحانه النفس البشرية.
إن المتتبع لآيات القرآن الكريم في حديثها عن أصول تكوين الأسرة، يجد أنها فصَّلت في نشأة الأسرة، وبينت بيانًا لا يدع للَّبْس مجالًا، بل نرى القرآن الكريم يتحدث عن أصل البشرية وبداياتها الأولى، وفي هذا يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] .
فهذه الآية تبين وتوحي"بأن قاعدة الحياة البشرية هي الأسرة؛ فقد شاء الله أن تبدأ هذه النبتة في الأرض بأسرة واحدة؛ فخلق ابتداءً نفسًا واحدة، وخلق منها زوجها؛ فكانت أسرة من زوجين، {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} ، ولو شاء الله لخلق، في أول النشأة، رجالًا كثيرًا ونساءً، وزوّجهم؛ فكانوا أُسرًا شتّى من أول الطريق؛ لا رَحِم بينها من مبدأ الأمر، ولا رابطة تربطها، إلا صدورها عن إرادة الخالق الواحد، وهي الوشيجة الأولى" [1] .
ولكنَّ الله - سبحانه وتعالى - شاءت قدرته، لأمر يعلمه، ولحكمة يقصدها، أن"يضاعف الوشائج؛ فيبدأ بها من وشيجة الربوبية، وهي أصلُ وأوَّلُ الوشائج، ثم يُثنِّي بوشيجة الرحم، فتقوم الأسرة الأولى من ذكر وأنثى، هما من نفس واحدة، وطبيعة واحدة، وفطرة واحدة، ومن هذه الأسرة الأولى يبث رجالًا كثيرًا ونساءً، كلهم يرجعون ابتداءً إلى وشيجة الربوبية، ثم يرجعون بعدها إلى وشيجة الأسرة، التي يقوم عليها نظام المجتمع الإنساني، بعد قيامه على أساس العقيدة" [2] .
فإذا نظرنا في هذا المجتمع الإنساني، بشتى تمظهراته، لَلَمحْنا فيه التنوع في خصائص الأفراد واستعداداتهم، بعد بثهم من نفس واحدة وأسرة واحدة، على هذا المدى الواسع، الذي لا
(1) - قطب، سيد، في ظلال القرآن، مرجع سابق، ص 574.
(2) - المرجع السابق، ص 573 - 574 - 575.