الصفحة 7 من 26

يتماثل فيه فردان قط تمام التماثل،"على توالي العصور، وفيما لا يُحصَى عدده من الأفراد في جميع الأجيال، التنوع في الأشكال والسمات والملامح، والتنوع في الطباع والأمزجة، والأخلاق والمشاعر، والتنوع في الاستعدادات والاهتمامات والوظائف، إن نظرة إلى هذا التنوع المنبثق من ذلك التجمع لَتشي بالقدرة المبدعة على غير مثال، المدبرة عن علم وحكمة، وتطلق القلب والعين يجولان في ذلك المتحف الحي العجيب، يتَمَلَّيان ذلك الحشد من النماذج التي لا تنفد، والتي دائمًا تتجدد، والتي لا يقدر عليها إلا الله، ولا يجرؤ أحد على نسبتها لغير الله؛ فالإرادة التي لا حد لما تريد، والتي تفعل ما تريد، هي وحدها التي تملك هذا التنويع الذي لا ينتهي، من ذلك الأصل الواحد الفريد" [1] .

وعلى ما سبق، ندرك سر اعتناء النظام الإسلامي بالأسرة ورعايتها من شتى عوامل الهدم، وهذه"العناية بتوثيق عراها، وتثبيت بنيانها، وحمايتها من جميع المؤثرات التي توهن هذا البناء، وفي أول هذه المؤثرات مجانبة الفطرة، وتجاهل استعدادات الرجل واستعدادات المرأة، وتناسق هذه الاستعدادات مع بعضها البعض، وتكاملها لإقامة الأسرة من ذكر وأنثى" [2] .

ولذلك عندما ندقق النظر في سورة النساء، مثلًا، وفي غيرها من السور، نلمح حشدًا"من مظاهر تلك العناية بالأسرة في النظام الإسلامي، وما كان يمكن أن يقوم للأسرة بناء قوي، والمرأة تلقى تلك المعاملة الجائرة، وتلك النظرة الهابطة التي تلقاها في الجاهلية، كل جاهلية؛ ومن ثم كانت عناية الإسلام بدفع تلك المعاملة الجائرة، ورفع هذه النظرة الهابطة" [3] .

وزيادة على ما مضى، فإن أصل تكوين الأسرة واضح من خلال النصوص القرآنية التي تبرز تلك الأصول، وفي ذلك يقول تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ} [فاطر: 11] ؛ أي: ابتدأ خلق أبيكم آدم من تراب، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، {ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا} [فاطر: 11] ؛ أي: ذكرًا وأنثى؛ لطفًا منه ورحمة أن جعل لكم أزواجًا من جنسكم؛ لتسكنوا إليها، وفي قوله تعالى: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ} [فاطر: 11] ؛ أي: هو عالم بذلك، لا يخفى عليه من ذلك شيء، بل {وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}

(1) - قطب، سيد، في ظلال القرآن، مرجع سابق، ص 575.

(2) - المرجع السابق، ص 575.

(3) - المرجع السابق، ص 579.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت