الصفحة 8 من 26

[الأنعام: 59] ، والمعنى يزداد وضوحًا وتأكيدًا في قوله تعالى: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} [الرعد: 8، 9] .

ولا غرو، والحال ما ذُكِر، أن نلمح الشريعة الإسلامية تعتني بالأسرة غاية العناية في تكوينها، ورعايتها بعد ذلك التكوين، من خلال منظومة تشريعية دقيقة مفصلة؛ حتى إننا لنرى آيات تنظيم الشأن الأسري في القرآن الكريم برُمته تفوق من حيث العددُ آياتِ المعاملات المالية، مع كثرة تلك المعاملات وتنوعها؛ وفي ذلك برهان جلِيٌّ على أن هذه الخلية البشرية تستحق كل هذه العناية والرعاية من الشريعة المطهرة، ونلمح أيضًا تلك العناية واضحة جلية في قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21] ، وكأن في وصف هذه الرابطة بأنها آية مزيدَ إغراء بتأمل جوانب النعمة في هذا الرباط، وتلمُّس وجوه الأنس فيه، وتدبُّر الثمرات الدينية والدنيوية، وكلما كان التأمل أعمق، كان الاعتزاز بهذا الرباط أوثق، والحرص على بقائه متينًا قويًّا أشد، ثم يمتد هذا الاعتزاز والتقدير إلى محيط الأسرة الواسع؛ إذ الأسرة في الإسلام لا تقتصر على الزوجين والأولاد فقط؛ وإنما تمتد إلى شبكة واسعة من ذَوِي القُرْبى من الأجداد والجدات، والإخوة والأخوات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، وغيرهم ممن تجمعهم رابطة النسب أو المصاهرة أو الرضاع، أينما كان مكانهم.

ومن لطائف الشريعة المباركة: إغراء الأبناء بتقدير هذه العلاقة، وتوقير هذه الأسرة؛ من خلال الوعد بحصول البركة والخير في أغلى ما يملك الإنسان من متع الحياة الدنيا، وهما: متعة العمر والمال، يقول صلى الله عليه وسلم: (( من أحبَّ أن يُبسَط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره، فليصل رحمه ) ) [1] .

وكما هو معلوم، فإن الإسلام دين الفطرة، يلائم دائمًا طبيعة الإنسان وغرائزه، ويلبي هذه الغرائز بوضعها في إطار مشروع، وغريزة الجنس، مقارنة بالغرائز الأُخرى، من أقوى الغرائز البشرية؛ لذلك اهتم بها الإسلام، ووضع لها الطريق الطبيعي والأمثل للتنفيس عنها،

(1) - البخاري، صحيح البخاري، كتاب الجمعة، باب: الجمعة في القرى والمدن، ج 2/ص 6، وباب: في العتق وفضله ج 3/ص 196، وكتاب النكاح، باب: المرأة راعية في بيت زوجها، مرجع سابق، ج 7/ص 41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت