الصفحة 24 من 26

وشققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلتُه، ومن قطعها قطعتُه )) [1] .

جعل الإسلام للقرابة أثرًا في المغنَم والمغرَم؛ فكما شرع الميراث - كما سنرى في المبحث التالي - فإنه شرع بداية تحمل المسؤولية المتضامنة بين أفراد الأسرة الواحدة، ومن ذلك أن الإسلام أوجب الدية على عاقلة القاتل عند القتل الخطأ [2] ، والعاقلة هم العصَبَات (الذكور من أقارب الإنسان) ، فلا يدخل في العاقلة الإخوة لأم، ولا الزوج، ولا سائر ذوي الأرحام.

ويدخل في العَصَبة سائر العصبات مهما بعدوا؛ لأنهم عصبة يرثون المال إذا لم يكن وارث أقرب منهم، ولا يشترط أن يكونوا وارثين في الحال، بل متى كانوا يرثون لولا الحجب، تجب عليهم الدية، ولا تكلف العاقلة ما يشق عليها؛ لأنه لزمها من غير جناية، بل على سبيل المواساة.

ولهذه المسألة تفصيلات في كتب الفقه، ليس محلُّها هذا البحثَ، ولكن ما يخصنا هنا هو سبب إيجاب الدية على العاقلة، وما نراه من أسباب هو ما أورده عبدالقادر عودة في كتابه:"التشريع الجنائي في الإسلام"، إذ يقول في شرح أسباب تحميل العاقلة الديةَ:

1 -إن العاقلة تحمل الدية في جرائم الخطأ، وأساس جرائم الخطأ هو الإهمال وعدم الاحتياط، وهذان سببهما سوء التوجيه وسوء التربية غالبًا، والمسؤول عن تربية الفرد وتوجيهه هم المتصلون به بصلة الدم؛ فوجب لهذا أن تتحمل أولًا عاقلةُ الجاني نتيجة خطئه، وأن تتحمل الجماعة أخيرًا هذا الخطأ، إذا عجزت العاقلة عن حمله.

2 -ويمكننا أن نقول أيضًا: إن الإهمال وعدم الاحتياط هو نتيجة الشعور بالعزَّة والقوة، وإن هذا الشعور يتولد من الاتصال بالجماعة، فالمشاهَد أن مَن لا عشيرة قوية له يكون أكثر احتياطًا ويقظة ممن له عشيرة، وأن المنتمين للأقليات يكونون أكثر حرصًا من المنتمين للأكثريات؛ فوجب لهذا أن تتحمل العاقلة والجماعة نتيجة الخطأ، ما دام أنهما هما المصدر الأول للإهمال وعدم الاحتياط.

(1) الترمذي: كتاب البر والصلة، باب قطيعة الرحم (1907) وقال حديث صحيح، وأحمد (1686) ، وقال الألباني: حديث صحيح (250) ؛"السلسلة الصحيحة"، مكتبة المعارف - الرياض.

(2) - أما في قتل العمد، فأساس العقوبة القصاص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت