وقد دارت المناظرة بين الإمام عبدالعزيز المكي وبشر المريسي بين يديِ المأمون على هذه المسألة، وقد أفحم الإمامُ فيها المريسيَّ بقوله: يلزمك واحدةٌ من ثلاث لا بد منها: إما أن تقول: إن الله خلَق القرآن - وهو عندي أنا كلامه - في نفسِه، أو خلَقه قائمًا بذاته ونفسه، أو خلَقه في غيره؟ قال: أقول: خلقه كما خلق الأشياء كلها، وحاد عن الجواب، فقال المأمون: اشرح أنت هذه المسألة ودع بشرًا فقد انقطع، فقال عبدالعزيز: إن قال: خلَق كلامه في نفسه فهذا محال؛ لأن الله لا يكون محلاًّ للحوادث المخلوقة، ولا يكون فيه شيء مخلوق، وإن قال: خلَقه في غيره فيلزم في النظر والقياس أن كل كلام خلقه الله في غيره فهو كلامه، فهو محال أيضًا؛ لأنه يلزم قائله أن يجعل كلَّ كلام خلَقه الله في غيره هو كلام الله! وإن قال: خلقه قائمًا بنفسه وذاته فهذا محال، لا يكون الكلام إلا من متكلم، كما لا تكون الإرادة إلا من مريد، ولا العلم إلا من عالم، ولا يُعقَل كلام قائم بنفسه يتكلم بذاته، فلما استحال من هذه الجهات أن يكون مخلوقًا، عُلم أنه صفةٌ لله.
الوجه الثالث: أن قوله: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16] حجَّة عليهم لا لهم؛ فقول الله معناه: أي كل شيء مخلوق، وكل موجود سوى الله فهو مخلوق؛ فدخَل في هذا العموم أفعالُ العباد حتمًا، ولم يدخل في العموم الخالقُ تعالى، وصفاتُه ليست غيره؛ لأنه سبحانه وتعالى هو الموصوفُ بصفات الكمال، وصفاته ملازمة لذاته المقدسة، لا يتصور انفصال صفاته عنه ..
ومن الآيات التي استدلوا بها:
قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [الزخرف: 3] على اعتبار أن"جعَل"بمعنى:"خلَق".
والرد عليهم: أن قوله: (جعل) إذا كان بمعنى خلق يتعدى إلى مفعول واحد؛ كقوله تعالى: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام: 1] ، وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30] ، {وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [الأنبياء: 31] ، {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا} [الأنبياء: 32] ، وإذا تعدى إلى مفعولين لم يكن بمعنى خلق؛ قال تعالى: {وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا} [النحل: 91] ، وقال تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 224] ، وقال تعالى: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} [الحجر: 91] ، ونظائره كثيرة.
ومن الآيات: قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} [الحاقة: 40] ، قالوا: هذا يدل على أن الرسول أحدثه، إما جبرائيل أو محمد.